[351]

فقام الحسن عليه السلام فقال : الحمد لله الواحد بغير تشبيه ، الدائم بغير تكوين القائم بغير كلفة ، الخالق بغير منصبة ، الموصوف بغير غاية ، المعروف بغير محدودية العزيز لم يزل قديما في القدم ، ردعت القلوب لهيبته ، وذهلت العقول لعزته وخضعت الرقاب لقدرته ، فليس يخطر على قلب بشر مبلغ جبروته ، ولايبلغ الناس كنه جلاله ، ولا يفصح الواصفون منهم لكنه عظمته ، ولا تبلغه العلماء بألبابها ، ولا أهل التفكر بتدبير امورها ، أعلم خلقه به الذي بالحد لا يصفه ، يدرك الابصار ولايدركه الابصار ، وهو اللطيف الخبير أما بعد فان عليا باب من دخله كان مؤمنا ، ومن خرج منه كان كافرا أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم لي ولكم .
فقام علي بن أبي طالب عليه السلام وقبل بين عينيه ثم قال : " ذريية بعضها من بعض والله سميع عليم " .
25 - كا : العدة ، عن البرقي ، عن محمد بن علي ، عن علي بن أسباط عمن ذكره ، عن أبي عبدالله عليه السلام قال : لقي الحسن بن علي عليهما السلام عبدالله بن جعفر فقال : يا عبدالله كيف يكون المؤمن مؤمنا وهو يسخط قسمه ، ويحقر منزلته والحاكم عليه الله ، وأنا الضامن لمن لم يهجس في قلبه إلا الرضا أن يدعو الله فيستجاب له .
26 - كا : العدة ، عن أحمد بن محمد ، عن ابن فضال وابن محبوب ، عن يونس ابن يعقوب ، عن أبي بصير ، عن أبي عبدالله عليه السلام قال : إن ناسا بالمدينة قالوا : ليس للحسن مال فبعث الحسن إلى رجل بالمدينة فاستقرض منه ألف درهم فأرسل بها إلى المصدق وقال : هذه صدقة مالنا فقالوا : ما بعث الحسن هذه من تلقاء نفسه إلا وعنده مال .
27 - كا : محمد بن يحيى ، عن أحمد بن محمد ، عن ابن فضال ، عن ابن بكير عن أبي عبدالله عليه السلام قال : كان الحسن بن علي عليهما السلام يحج ماشيا وتساق معه المحامل والرحال .
28 - قب : كتاب الفنون عن أحمد المؤدب ، ونزهة الابصار عن ابن مهدي

[352]

أنه مر الحسن بن علي عليهما السلام على فقراء وقد وضعوا كسيرات على الارض وهم قعود يلتقطونها ويأكلونها فقالوا له : هلم يا ابن بنت رسول الله إلى الغداء قال : فنزل وقال : إن الله لايحب المستكربين ، وجعل يأكل معهم حتى اكتفوا والزاد على حاله ببركته عليه السلام ثم دعاهم إلى ضيافته وأطعمهم وكساهم .
وروى الحاكم في أماليه للحسن عليه السلام : من كان يباء بجد فان جدي الرسول صلى الله عليه واله أو كان يباء بام فان امي البتول ، أو كان يباء بزور فزور نا جبرئيل .
بيان : " يباء " بالباء فيما عند نا من النسخ ولعلة يباء ( 1 ) من " البأو " بمعنى الكبر والفخر ، يقال : بأوت على القوم أبأى بأوا ، أو بالنون من نأى بمعنى بعد كناية عن الرفعة ، أو من النوء بمعنى العطاء ، أو من المناواة بمعنى المفاخرة ، ويحتمل أن يكون نباء من النباء بمعنى الخبر على صيغة المبالغة أو نثاء كذلك من النثاء ( 2 ) .
29 - من بعض كتب المناقب المعتبرة بإسناده عن نجيح قال : رأيت الحسن ابن علي عليهما السلام يأكل وبين يديه كلب كلما أكل لقمة طرح للكلب مثلها فقلت له : ياابن رسول الله ألا أرجم هذا الكلب عن طعامك ؟ قال : دعه إني لاستحيي من الله عزوجل أن يكون ذو روح ينظر في وجهي وأنا آكل ثم لا اطعمه .
وذكر الثقة : أن مروان بن الحكم عليه اللعنة شتم الحسن بن علي عليهما السلام فلما فرغ قال الحسن : إني والله لا أمحوا عنك شيئا ولكن مهدك الله فلئن كنت صادقا فجزاك الله بصدقك ، ولئن كنت كاذبا فجزاك الله بكذبك والله أشد نقمة مني .
وروي أن غلاما له عليه السلام جنى جناية توجب العقاب فأمر به أن يضرب فقال : يامولاي " والعافين عن الناس " قال : عفوت عنك ، قال : يا مولاي " والله يحب المحسنين " قال : أنت حر لوجه الله ولك ضعف ما كنت اعطيك .
30 - كا : العدة ، عن البرقي ، عن أبيه وعمرو بن عثمان جميعا ، عن هارون *

_________________________________________________________
) * ( 1 ) كأنه يريد " يبأ " مجزوم " يبأي " .
( 2 ) ولكن الصحيح أنه من " باء يباء " بمعنى تكبر وافتخر ، وهو مقلوب من " بأي " كقولهم " راء " في " رأى " .
( * )

[353]

ابن الهجم ، عن محمد بن مسلم قال : سمعت أبا جعفر وأبا عبدالله عليهما السلام يقولان : بينا الحسن بن علي عليهما السلام في مجلس أميرالمؤمنين صلوات الله عليه إذ أقبل قوم فقالوا : يابا محمد أردنا أمير المؤمنين قال : وما حاجتكم ؟ قالوا : أردنا أن نسأله عن مسألة قال : وماهي تخبر ونابها ، فقالوا : امرأة جامعها زوجها ، فلما قام عنها قامت بحموتها فوقعت على جارية بكر فساحقتها فألقت النطقة فيها فحملت ، فما تقول في هذا ؟ فقال الحسن عليه السلام : معضلة وأبوالحسن لها وأقول فان أصبت فمن الله ثم من أميرالمؤمنين وإن أخطأت فمن نفسي فأرجو أن لا اخطئ إنشاء الله .
يعمد إلى المرأة فيؤخذ منها مهر الجارية البكر في أول وهلة لان الولد لا يخرج منهاحتى يشق فتذهب عذرتها ، ثم ترجم المرأة لانها محصنة وينتظر بالجارية حتى تضع ما في بطنها ، ويرد إلى أبيه صاحب النطفة ثم تجلد الجارية الحد .
قال : فانصرف القوم من عند الحسن فلقوا أميرالمؤمنين عليه السلام فقال : ما قلتم لابي محمد وما قال لكم ؟ فأخبروه فقال : لو أنني المسؤل ماكان عندي فيها أكثر مما قال ابني .
31 - ج : روي أن عمرو بن العاص قال لمعاوية : ابعث إلى الحسن بن علي عليهما السلام فمره أن يصعد المنبر يخطب الناس لعله يحصر ، فيكون ذلك مما نعيره به في كل محلف ، فبعث إليه معاوية فأصعده المنبر ، وقد جمع له الناس ورؤساء أهل الشام فحمد الله الحسن بن علي صلوات الله عليه وأثنى عليه ، ثم قال : أيها الناس من عرفني فأنا الذي يعرف ، ومن لم يعرفني فأنا الحسن بن علي بن أبي طالب ابن عم رسول الله أول المسلمين إسلاما ، وامي فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه واله وجدي محمد بن عبدالله نبي الرحمة أنا ابن البشير ، أنا ابن النذير ، أنا ابن السراج المنير ، أنا ابن من بعث رحمة للعالمين ، أنا ابن من بعث إلى الجن و الانس أجمعين .
فقال معاوية : يا با محمد خذبنا ( 1 ) في نعت الرطب - أراد تخجيله - فقال الحسن : *

_________________________________________________________
) * ( 1 ) حدثنا ، خ .
( * )

[354]

الريح تنفخه ، والحر ينضجه ، والليل يبرده ويطيبه ، ثم أقبل الحسن عليه السلام فرجع في كلامه الاول فقال : أنا ابن مستجاب الدعوة ، أنا ابن الشفيع المطاع ، أنا ابن أول من ينفض عن الرأس التراب ، أنا ابن من يقرع باب الجنة : فيفتح له ، أنا ابن من قاتل معه الملائكة وأحل له المغنم ، ونصر بالرعب من مسيرة شهر .
فأكثر في هذا النوع من الكلام ، ولم يزل به حتى أظلمت الدنيا على معاوية وعرف الحسن عليه السلام من لم يكن يعرفه من أهل الشام وغيرهم ، ثم نزل فقال له معاوية : أما إنك يا حسن قد كنت ترجو أن تكون خليفة ولست هناك ، فقال الحسن عليه السلام : أما الخليفة فمن سار بسيرة رسول الله صلى الله عليه واله وعمل بطاعة الله عزو جل ليس الخليفة من سار بالجور وعطل السنن واتخذ الدنيا اما وأبا ، ولكن ذلك ملك أصاب ملكا فتمتع منه قليلا وكان قد انقطع عنه فاتخم لذته وبقيت عليه تبعته ، وكان كما قال الله تبارك وتعالى : " وإن أدري لعله فتنة لكم ومتاع إلى حين " ( 1 ) فأومأبيده إلى معاوية ثم قام فانصرف ، فقال معاوية لعمرو : والله ما أردت إلا شيني حين أمرتني بما أمرتني ، والله ماكان يرى أهل الشام أن أحدا مثلي في حسب ولا غيره ، حتى قال الحسن ما قال ، قال عمرو : هذا شئ لايستطاع دفنه ولا تغييره لشهرته في الناس واتضاحه ، فسكت معاوية لعنه الله .
بيان : الاتخام : الثقل الحاصل من كثرة أكل الطعام أي اتخم من لذته .
32 - قب : القاضي النعمان في شرح الاخبار بالاسناد ، عن عبادة بن الصامت ورواه جماعة ، عن غيره أنه سأل أعرابي أبابكر فقال : إني أصبت بيض نعام فشويته وأكلته وأنا محرم فما يجب علي ؟ فقال له : يا أعرابي أشكلت علي في قضيتك ، فدله على عمر ، ودله عمر على عبدالرحمان فلما عجزوا قالوا : عليك بالاصلع فقال أميرالمؤمنين عليه السلام : سل أي الغلامين شئت ، فقال الحسن : يا أعرابي ألك إبل ؟ قال : نعم ، قال : فاعمد إلى عدد ما أكلت من ا لبيض نوقا فاضربهن بالفحول *

_________________________________________________________
) * ( 1 ) الانبياء : 111 .
( * )

[355]

فما فضل منها فأهده إلى بيت الله العتيق الذي حججت إليه ، فقال أميرالمؤمنين : إن من النوق السلوب ، ومنها مايزلق ، فقال : إن يكن من النوق السلوب وما يزلق فان من البيض مايمرق ، قال : فسمع صوت معاشوالناس : إن الذي فهم هذا الغلام هو الذي فهمها سليمان بن داود .
بيان : السلوب من النوق التي القت ولدها بغير تمام ، وأزلقت الناقة : أسقطت والمراد هنا ما تسقط النطقة ، ومرقت البيضة : فسدت .
أقول : قد اورد كثير من قضاياه عليه السلام في الفقيه والكافي في كتاب الحدود وكتاب القضايا وكتاب الديات ، تركناها لو ضوح الامر وخوف الاطناب .
33 - قب : ابن سنان ، عن رجل من أهل الكوفة أن الحسن بن علي عليهما السلام كلم رجلا فقال : من أي بلد أنت ؟ قال : من الكوفة قال : لو كنت بالمدينة لاريتك منازل جبرئيل عليه السلام من ديارنا .
محمد بن سيرين أن عليا عليه السلام قال لابنه الحسن : أجمع الناس فاجتمعوا فأقبل فخطب الناس فحمد الله وأثنى عليه وتشهد ثم قال : أيها الناس إن الله اختارنا لنفسه ، وارتضانا لدينه ، واصطفانا على خلقه ، وأنزل علينا كتابه ووحيه ، وأيم الله لا ينقصنا أحد من حقنا شيئا إلا انتقصه الله من حقه في عاجل دنياه وآخرته ، ولا يكون علينا دولة إلا كانت لنا العاقبة ، ولتعلمن نبأه بعد حين .
ثم نزل فجمع بالناس ، وبلغ أباه ، فقبل بين عينيه ثم قال : بأبي وامي ذرية بعضها من بعض والله سميع عليم .
العقد عن ابن عبد ربه والاندلسي وكتاب المدائني أيضا أنه قال عمرو بن العاص لمعاوية : لو أمرت الحسن بن علي يخطب على المنبر ، فلعله حصر فيكون ذلك وضعا له عند الناس فأمر الحسن بذلك ، فلما صعد المنبر تكلم وأحسن ثم قال : أيها الناس من عرفني فقد عرفني ، ومن لم يعرفني فأنا الحسن بن علي بن أبيطالب أنا ابن أول المسلمين إسلاما ، وامي فاطمة بنت رسول الله ، أنا ابن البشير النذير ، أنا ابن السراج المنير ، أنا ابن من بعث رحمة للعالمين .
وفي رواية ابن

[356]

عبدربه - لو طلبتم ابنا لنبيكم مابين لابتيها ( 1 ) لم تجدوا غيري وغير أخي ، فناداه معاوية يا أبامحمد حدثنا بنعت الرطب أراد بذلك يخجله ، ويقطع بذل كلامه فقال : نعم تلقحه الشمال ، وتخرجه الجنوب ، وتنضجه الشمس ويطيبه القمر - وفي رواية المدائني : الريح تنفخه ، والحر تنضجه والليل يبرده ويطيبه - وفي رواية المدائني فقال عمرو : أبا محمد ! هل تنعت الخرأة قال : نعم ، تبعد الممشى في الارض الصحصح حتى تتوارى من القوم ، ولا تستقبل القبلة ولا تستدبرها ، ولا تمسح باللقمة ، والرمة ، يريد العظم والروث - ولا تبل في الماء الراكد .
توضيح : الخرء بالفتح دفع الخروء بالضم ، والصحصح المكان المستوي ولا يخفى مافي إدخال الروث في تفسير الرمة من الاشتباه .
34 - قب : المنهال بن عمرو أن معاوية سأل الحسن عليه السلام أن يصعد المنبر وينتسب ، فصعد فحمد الله وأثنى عليه ، ثم قال : أيها الناس من عرفني فقد عرفني : ومن لم يعرفني فسا بين له نفسي ، بلدي مكة ومني ، وأنا ابن المروة والصفا ، وأنا ابن النبي المصطفى ، وأنا ابن من علا الجبال الرواسي ، وأنا ابن كسا محاسن وجهه الحيا ، أنا ابن فاطمة سيدة النساء ، أنا ابن قليلات العيوب ، نقيات الجيوب - وأذن المؤذن ، فقال : أشهد أن لا إله إلا الله ، أشهد أن محمدا رسول الله - فقال : يا معاوية محمد أبي أم أبوك ؟ فان قلت : ليس بأبي فقد كفرت ، وإن قلت : نعم ، فقد أقررت ثم قال : أصبحت قريش تفتخر على العرب بأن محمدا منها ، وأصبحت العرب تفتخر على العجم بأن محمدا منها ، وأصبحت العجم تعرف حق العرب بأن محمدا منها يطلبون حقنا ولايردو ن إلينا حقنا .
بيان : قال الجوهري : رجل ناصح الجيب أي أمين انتهى ، فقوله عليه السلام : " نقيات الجيوب " كناية عن عفتهن كما أن طهارة الذيل في عرف العجم كناية عنها .
*

_________________________________________________________
) * ( 1 ) اللابة : الحرة من الارض ، يقال : " مابين لا تبيها مثل فلان " وأصله في المدينة وهى حرتاها المكتنفتان بها ، ثم جرى في كل بلدة فيقولون : " مابين لابتيها مثل فلان " من دون اظهار صاحب الضمير .
( * )

[357]

35 - قب : كتب ملك الروم إلى معاوية يسأله عن ثلاث : عن مكان بمقدار وسط السماء ، وعن أول قطرة دم وقعت على الارض ، وعن مكان طلعت فيه الشمس مرة ، فلم يعلم ذلك ، فاستغاث بالحسن بن علي عليهما السلام فقال : ظهر الكعبة ، ودم حوا ، وأرض البحر حين ضربه موسى .
وعنه عليه السلام في جواب ملك الروم : مالا قبلة له فهي الكعبة ، ومالا قرابة له فهو الرب تعالى .
وسأل شامي الحسن بن علي عليه السلام فقال : كم بين الحق والباطل ؟ فقال : أربع أصابع : فما رأيت بعينك فهو الحق وقد تسمع باذنيك باطلا كثيرا ، وقال : كم بين الايمان واليقين ؟ فقال : أربع أصابع : الايمان ما سمعناه واليقين ما رأيناه قال : وكم بين السماء والارض ؟ قال : دعوة المظلوم ، ومد البصر ، قال : كم بين المشرق والمغرب ؟ قال : مسيرة يوم للشمس .
أبوالمفضل الشيباني في أماليه وابن الوليد في كتابه بالاسناد عن جابر بن عبدالله قال : كان الحسن بن علي قد ثقل لسانه ، وأبطأ كلامه ، فخرج رسول الله صلى الله عليه واله في عيد من الاعياد وخرج معه بالحسن بن علي فقال النبي صلى الله عليه واله : الله أكبر يفتتح الصلاة قال الحسن : الله أكبر قال : فسر بذلك رسول الله فلم يزل رسول الله يكبر والحسن معه يكبر حتى كبر سبعا فوقف الحسن عند السابعة فوقف رسول الله صلى الله عليه واله عندها ، ثم قام رسول الله إلى الركعة الثانية فكبر الحسن حتى إذا بلغ رسول الله خمس تكبيرات فوقف الحسن عند الخامسة ، ووقف رسول الله عند الخامسة ، فصار ذلك سنة في تكبير العيدين ، وفي رواية أنه كان الحسين عليه السلام .
كتاب إبراهيم : قال بعض أصحاب الحسن عليه السلام مرفوعا : الطلق للنساء إنما يكون سرة المولود متصلة بسرة امه فتقطع فيؤلمها .
أقول : قال عبدالحميد بن أبي الحديد في شرح نهج البلاغة : روى محمد بن حبيب في أماليه أن الحسن عليه السلام حج خمس عشرة حجة ماشيا تقاد الجنائب معه وخرج من ماله مرتين ، وقاسم الله عزوجل ثلاث مرات ماله ، حتى أنه كان يعطي نعلا

[358]

ويمسك نعلا ويعطي خفا ويمسك خفا .
وروى أيضا أن الحسن عليه السلام أعطى شاعرا فقال له رجل من جلسائه : سبحان الله شاعرا يعصي الرحمن ويقول البهتان ؟ فقال : يا عبدالله إن خير ما بذلت من مالك ما وقيت به عرضك ، وإن من ابتغاء الخير اتقاء الشر .
36 - د : حدث الزبير بن بكار ، وابن عون ، عن عمير بن إسحاق قال : ماتكلم أحد أخب إلى أن لا يسكت من الحسن بن علي عليهما السلام وما سمعت منه كلمة فحش قط وإنه كان بين الحسن بن علي وعمرو بن عثمان خصومة في أرض فعرض الحسين أمرا لم يرضه عمرو ، فقال الحسن عليه السلام : ليس له عندنا إلا ما أرغم أنفه ، فان هذه أشد وأفحش كلمة سمعتها منه قط .
37 - د : قيل : طعن أقوام من أهل الكوفة في الحسن بن علي عليهما السلام فقالوا : إنه عي لا يقوم بحجة ، فبلغ ذلك أمير المؤمنين عليه السلام فدعا الحسن فقال : ياابن رسول الله إن أهل الكوفة قد قالوا فيك مقالة أكرهها ؟ قال : وما يقولون ياأميرالمؤمنين ؟ قال : يقولون : إن الحسن بن علي عي اللسان لايقوم بحجة ، وإن هذه الاعواد فأخبر الناس فقال : ياأميرالمؤمنين لا أستطيع الكلام وأنا أنظر إليك ، فقال أميرالمؤمنين عليه السلام إني متخلف عنك فناد أن الصلاة جامعة ، فاجتمع المسلمون فصعد عليه السلام المنبر فخطب خطبة بليغة وجيزة فضج المسلمون بالبكاء ثم قال : أيها الناس اعقلوا عن ربكم إن الله عزوجل اصطفى آدم ونوحا وآل إبراهيم و آل عمران على العالمين ذرية بعضها من بعض والله سميع عليم ، فنحن الذرية من آدم والاسرة من نوح ، والصفوة من إبراهيم ، والسلالة من إسماعيل ، وآل من محمد صلى الله عليه واله
-بحار الانوار مجلد: 39 من ص 358 سطر 19 الى ص 364 سطر 7 نحن فيكم كالسماء المرفوعة ، والارض المدحوة ، والشمس الضاحية ، وكالشجرة الزيتونة ، لاشرقية ولا غربية التي بورك زيتها ، النبي أصلها ، وعلي فرعها ، ونحن والله ثمرة تلك الشجرة ، فمن تعلق بغصن من أغصانهانجا ، ومن تخلف عنها فإلى النار هوى ، فقام أميرالمؤمنين من أقصى الناس يسحب رداءه من خلفه حتى علا المنبر مع الحسن عليه السلام فقبل بين عينيه ، ثم قال : ياابن رسول الله أثبت على القوم حجتك وأوجبت عليهم طاعتك ، فويل لمن خالفك .

[359]


باب 17 : خطبه بعد شهادة أبيه صلوات الله عليهما وبيعة الناس له

  1 - لى : أبي ، عن السعد آبادي ، عن البرقي ، عن أبيه ، عن أحمد بن النضر عن عمرو بن شمر ، عن جابر ، عن الثمالي ، عن حبيب بن عمرو قال : لما توفي أميرالمؤمنين عليه السلام وكان من الغد قام الحسن عليه السلام خطيبا على المنبر فحمد الله و أثنى عليه ثم قال : أيها الناس في هذه الليلة نزل القرآن وفي هذه الليلة رفع عيسى بن مريم ، و في هذه الليلة قتل يوشع بن نون ، وفي هذه الليلة مات أبي أميرالمؤمنين والله لايسبق أبي أحد كان قبله من الاوصياء إلى الجنة ولا من يكون بعده ، وإن كان رسول الله صلى الله عليه واله ليبعثه في السرية ، فيقاتل جبرئيل عن يمينه ، وميكائيل عن يساره وماترك صفراء ولا بيضاء إلا سبعمائة درهم فضلت من عطائه ، كان يجمعها ليشتري بها خادما لاهله .
2 - جا ، ما : المفيد ، عن إسماعيل بن محمد الانباري ، عن إبراهيم بن محمد الازدي ، عن شعيب بن أيوب ، عن معاوية بن هشام ، عن سفيان ، عن هشام ابن حسان قال : سمعت أبا محمد الحسن بن علي عليهما السلام يخطب الناس بعد البيعة له بالامر فقال : نحن حزب الله الغالبون ، وعترة رسول الاقربون ، وأهل بيته الطيبون ، الطاهرون ، وأحد الثقلين الذين خلفهما رسول الله صلى الله عليه واله في امته والتالي كتاب الله ، فيه تفصيل كل شئ لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه فالمعول علينا في تفسيره لانتظنى تأويله بل نتيقن حقائقه ، فأطيعونا فان طاعتنا مفروضة إذ كانت بطاعة الله عزوجل ورسوله مقرونة ، قال الله عزوجل : " يا -

[360]

أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول واولي الامر منكم فان تنازعتم في شئ فردوه إلى الله والرسول ( 1 ) " ولورد وه إلى الرسول وإلى اولي الامر منهم لعلمه الذين يستنبطونه منهم " ( 2 ) واحذركم الاصغاء لهتاف الشيطان فإنه لكم عدو مبين ، فتكونوا أولياءه الذين قال لهم : " لاغالب لكم اليوم من الناس وإني جارلكم فلما تراءت الفئتان نكص على عقبيه وقال : إني برئ منكم إني أرى مالا ترون " ( 3 ) فتلقون إلى الرماح وزرا ، وإلى السيوف جزرا ، وللعمد حطما ، وللسهام غرضا ، ثم لا ينفع نفسا إيمانها لم تكن آمنت من قبل أو كسبت في إيمانها خيرا .
بيان : قال الجوهري : التظني إعمال الظن وأصله التظنن ابدل من إحدى النونات ياء قوله عليه السلام " وزراء " الوزر محركة : الجبل المنيع ، وكل معقل والملجأ ، والمعتصم ، والوزر بالكسر : الاثم والثقل والكارة الكبيرة والسلاح ، والحمل الثقيل ، ووزر الرجل : غلبه وأوزره : أحزره وذهب به كاستوزره ، وجعل له وزرا وأوثقه وخبأه كل ذلك ذكره الفيروز آبادي والاظهر أنه الوزر بالتحريك أي تكونون معاقل للرماح تأوي إليكم ، ويحتمل أن يكون بالكسر أي لوزركم وإثمكم أو الحال أنكم كالحمل الثقيل .
وقال الجوهري : الجزور من الابل يقع على الذكر والانثى والجمع الجزر وجزرالسباع : اللحم الذي تأكله ، يقال : تركوهم جزرا بالتحريك إذا قتلوهم .
والجزر أيضا : الشاة السمينة وقال الجزري فيه : أبشر بجزرة سمينة أي شاة صالحة لان تجزر أي تذبح للاكل ومنه حديث الضحية فانما هي زجرة أطعمها أهله وتجمع على جزر بالفتح ومنه حديث موسى والحسرة : حتى صارت حبالهم للثعبان جزرا وقد تكسر الجيم انتهى والاظهر أنه بالتحريك .
والحطم : الكسر أو خاص باليابس ، وصعدة حطم ككسر ما تكسر من اليبيس ، ذكره *

_________________________________________________________
) * ( 1 ) و ( 2 ) النساء : 58 و 83 .
( 3 ) الانفال : 48 .
( * )

[361]

الفيروز آبادي فهو إما بالتحريك وإن لم يرد في هذا المقام فانه وزن معروف أو بكسر الحاء وفتح الطاء كما ذكره الفيروز آبادي ، والعمد بالتحريك وبضمتين جمع العمود أي تحطمكم وتكسر كم العمد ، ونصب الجميع بالحالية إن قرئ فتلقون على بناء المجهول ، ويحتمل التميز ، وبالمفعولية إن قرئ على بناء المعلوم .
3 - ما : أبوعمرو ، عن ابن عقدة ، عن علي بن الحسين بن عبيد ، عن إسماعيل بن أبان ، عن سلام بن أبي عمرة ، عن معروف ، عن أبي الطفيل قال : خطب الحسن بن علي عليهما السلام بعد وفاة علي عليه السلام وذكر أميرالمؤمنين فقال : خاتم الوصيين ووصي خاتم الانبياء ، وأمير الصديقين والشهداء والصالحين ، ثم قال : أيها الناس لقد فارقكم رجل ما سبقه الاولون ، ولا تدركه الاخرون ، لقد كان رسول الله صلى الله عليه واله يعطيه الراية فيقاتل جبرئيل عن يمينه ، وميكائيل عن يساره فما يرجع حتى يفتح الله عليه ما ترك ذهبا ولا فضة إلا شئ على صبي له ، وما ترك في بيت المال إلا سبعمائة درهم فضلت من عطائه أراد أن يشتري بها خادما لام كلثوم .
ثم قال : من عرفني فقد عرفني ومن لم يعرفني فأنا الحسن بن محمد النبي صلى الله عليه واله ثم تلى هذه الاية قول يوسف : " واتبعت ملة آبائي إبراهيم وإسحاق ويعقوب " ( 1 ) أنا ابن البشير ، وأنا ابن النذير ، وأنا ابن الداعي إلى الله ، وأنا ابن السراج المنير وأنا ابن الذي ارسل رحمة للعالمين ، وأنا من أهل البيت الذين أذهب الله عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا ، وأنا من أهل البيت الذين كان جبرئيل ينزل عليهم ، ومنهم كان يعرج ، وأنا من أهل البيت الذين افترض الله مودتهم وولايتهم ، فقال فيما انزل على محمد صلى الله عليه واله : " قل لا أسألكم عليه أجرا إلا المودة في القربى ومن يقترف حسنة " ( 2 ) واقتراف الحسنة مودتنا .
فر : عن أبي الطفيل مثله .
4 - شا : كان الحسن عليه السلام وصي أبيه أميرالمؤمنين عليه السلام على أهله وولده *

_________________________________________________________
) * ( 1 ) يوسف : 38 .
( 2 ) الشورى : 22 .
( * )

[362]

وأصحابه ، ووصاه بالنظر في وقوفه وصدقاته ، وكتب إليه عهدا مشهورا ووصية ظاهرة في معالم الدين وعيون الحكمة والاداب ، وقد نقل هذه الوصية جمهور العلماء واستبصربها في دينه ودنياه كثير من الفقهاء ، ولما قبض أميرالمؤمنين عليه السلام خطب الناس الحسن وذكر حقه فبايعه أصحاب أبيه على حرب من حارب ، وسلم من سالم .
وروى أبومخنف لوط بن يحيى قال : حدثني أشعث بن سوار ، عن أبي إسحاق السبيعي وغيره ، قال : خطب الحسن بن علي عليهما السلام في صبيحة الليلة التي قبض فيها أميرالمؤمنين عليه السلام فحمد الله وأثنى عليه وصلى على رسول الله صلى الله عليه واله ثم قال : لقد قبض في هذه الليلة رجل لم يسبقه الاولون بعمل ، ولم يدركه الاخرون بعمل لقد كان يجاهد مع رسول الله صلى الله عليه واله فيقيه بنفسه ، وكان رسول الله صلى الله عليه واله يوجهه برايته ، فيكنفه جبرئيل عن يمينه ، وميكائيل عن شماله ، ولا يرجع حتى يفتح الله على يديه ، ولقد توفي في الليلة التي عرج فيها بعيسى بن مريم ، والتي قبض فيها يوشع بن نون [ وصي موسى ] ، وما خلف صفراء ولا بيضاء إلا سبعمائة درهم فضلت عن عطائه ، أراد أن يبتاع بها خادما لاهله .
ثم خنقته العبرة فبكى وبكى الناس من حوله معه ، ثم قال : أنا ابن البشير أنا ابن النذير أنا ابن الداعي إلى الله باذنه أنا ابن السراج المنير ، أنا من أهل بيت أذهب الله عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا أنا من أهل بيت فرض الله مودتهم في كتابه فقال تعالى : " قل لا أسئلكم عليه أجرا إلا المودة في القربى ومن يقترف حسنة نزدله فيها حسنا " ( 1 ) فالحسنة مودتنا أهل البيت ثم جلس .
فقام عبدالله بن العباس رحمه الله بين يديه فقال : معاشر الناس هذا ابن نبيكم ووصي إمامكم فبايعوه فاستجاب له الناس فقالوا : ما أحبه إلينا وأوجب حقه علينا وبادروا إلى البيعة له بالخلافة ، وذلك [ في ] يوم الجمعة الحادي والعشرين من شهر رمضان سنة أربعين من الهجرة .
*

_________________________________________________________
) * ( 1 ) الشورى : 22 .
( * )

[363]

فرتب العمال ، وأمر الامراء ، وأنفذ عبدالله بن العباس إلى البصرة ونظر في الامور .
أقول : روى هذه الخطبة ابن أبي الحديد ، عن أبي الفرج ، عن عمرو بن ثابت ، عن أبي إسحاق السبيعي ، عن هبيرة بن مريم ، ورأيت أيضا في كتاب المقاتل لابي الفرج الاصفهاني مثله .
5 - قب : بويع عليه السلام بعد أبيه يوم الجمعة الحادي والعشرين من شهر رمضان في سنة أربعين وكان عمره عليه السلام لما بويع سبعا وثلاثين سنة .
6 - نص : الحسين بن محمد بن سعيد الخزاعي ، عن الجوهري ، عن عتبة ابن الضحاك ، عن هشام بن محمد ، عن أبيه قال : لما قتل أميرالمؤمنين عليه السلام رقى الحسن ابن علي عليهما السلام المنبر فأراد الكلام فخنقته العبرة ، فقعد ساعة ثم قام فقال : الحمد لله الذي كان في أوليته وحدانيا في أزليته ، متعظما بإليهته ، متبكرا بكبريائه وجبروته ، ابتدأ ما ابتدع ، وأنشأما خلق ، على غير مثال كان سبق مما خلق .
ربنا اللطيف بلطف ربوبيته ، وبعلم خبره فتق ، وبإحكام قدرته خلق جميع ما خلق ، فلا مبدل لخلقه ، ولا معير لصنعه ، ولا معقب لحكمه ، ولا راد لامره ولا مستراح عن دعوته ، خلق جميع ما خلق ، ولا زوال لملكه ، ولا انقطاع لمدته فوق كل شئ علا ، ومن كل شئ دنا ، فتجلى لخلقه من غير أن يكون يرى وهو بالمنظر الاعلى .
احتجب بنوره ، وسما في علوه ، فاستتر عن خلقه ، وبعث إليهم شهيدا عليهم وبعث فيهم النبيين مبشرين ومنذرين ، ليهلك من هلك عن بينة ، ويحيى من حي عن بينة ، وليعقل البعاد عن ربهم ما جهلوه ، فيعرفوه بربوبيته بعد ما أنكروه .
والحمد الله الذي أحسن الخلافة علينا أهل البيت ، وعنده نحتسب عزانا في خير الاباء رسول الله صلى الله عليه واله ، وعندالله نحتسب عزانا في أميرالمؤمنين ، ولقد اصيب به الشرق والغرب ، والله ما خلف درهما ولا دينارا إلا أربعمائة درهم ، أراد أن

[364]

يبتاع لاهله خادما ، ولقد حدثني حبيبي جدي رسول الله صلى الله عليه واله أن الامر يمكله اثنا عشر إماما من أهل بيته وصفوته ، مامنا إلا مقتول أو مسموم .
ثم نزل عن منبره ، فدعا بابن ملجم لعنه الله فاتي به ، قال : ياابن رسول الله استبقني أكن لك ، وأكفيك أمر عدوك بالشام ، فعلاه الحسن عليه السلام بسيفه فاستقبل السيف بيده فقطع خنصره ثم ضربه ضربة على يافوخه فقتله ، لعنة الله عليه .
* * إلى هنا انتهى الجزءالاول من المجليد العاشر ويليه الجزء الثاني وأوله باب العلة التي من أجلها صالح الحسن بن علي عليهما السلام معاوية بن أبي سفيان .