[201]
النبي صلى الله عليه واله ستة أشهر ما رؤيت ضاحكة ، وعنه عليه السلام أن فاطمة كفنت في
سبعة أثواب .
وعن حسين بن علوان ، عن سعدبن طريف ، عن أبي جعفر عليه السلام قال : بدو مرض
فاطمة بعد خمسين ليلة من وفاة رسول الله صلى الله عليه واله فعلمت أنها الوفاة فاجتمعت لذلك
تأمر عليا بأمرها وتوصيه بوصيتها وتعهد إليه عهودها ، وأمير المؤمنين عليه السلام يجزع
لذلك ، ويطيعها في جميع ما تأمره .
فقالت : يا أبا الحسن إن رسول الله صلى الله عليه واله عهد إلى وحدثني أني أول
أهله لحوقا به ولابد مما لا بدمنه ، فاصبر لامر الله تعالى وارض بقضائه ، قال : و
أوصته بغلسها وجهازها ودفنها ليلا ففعل ، قال : وأوصته بصدقتها وتركتها قال : فلما
فرغ أميرالمؤمنين من دفنها لقيه الرجلان فقالا له : ما حملك على ما صنعت ؟ قال :
وصيتها وعهدها .
31 - ع : حدثنا علي بن أحمد قال : حدثنا أبوالعباس أحمد بن محمد بن يحيى
عن عمرو بن أبي المقدام وزياد بن عبدالله قالا : أتى رجل أباعبدالله عليه السلام فقال له :
يرحكمك الله هل تشيع الجنازة بنار ويمشى معها بمجمرة وقنديل أو غير ذلك مما
يضاء به ؟ قال : فتغير لون أبي عبدالله عليه السلام من ذلك واستوى جالسا ثم قال : إنه
جاء شقي من الاشقياء إلى فاطمة بنت محمد صلى الله عليه واله فقال لها : أما علمت أن عليا قد
خطب بنت أبي جهل فقالت : حقاما تقول : فقال : حقا ما أقول - ثلاث مرات - فدخلها
من الغيرة ما لا تملك نفسها وذلك أن الله تبارك وتعالى كتب على النساء غيرة وكتب
على الرجال جهادا .
وجعل للمحتسبة الصابرة منهن من الاجر ما جعل للمرابط
المهاجر في سبيل الله .
قال : فاشتد غم فاطمة عليها السلام من ذلك ، وبقيت متفكرة هي حتى أمست وجاء
الليل حملت الحسن على عاتقها الايمن والحسين على عاتقها الايسر وأخذت بيد
ام الكثوم اليسرى بيدها اليمنى ثم تحولت إلى حجرة أبيها فجاء علي عليه السلام فدخل
في حجرته فلم ير فاطمة عليها السلام فاشتد لذلك غمه وعظم عليه ، ولم يعلم القصة
[202]
ماهي فاستحيى أن يدعوها من منزل أبيها فخرج إلى المسجد فصلى فيه ماشاء الله
ثم جمع شيئا من كثيب المسجد واتكا عليه .
فلما رأى النبي صلى الله عليه واله ما بفاطمة من الحزن أفاض عليه الماء ثم لبس ثوبه
ودخل المسجد ، فلم يزل يصلي بين راكع وساجد وكلما صلى ركعتين دعا الله أن
يذهب ما بفاطمة من الحزن والغم وذلك أنه خرج من عندها وهي تتقلب وتتنفس
الصعداء فلما رآها النبي صلى الله عليه وآله أنها لا يهنئها النوم ، وليس لها قرار قال لها : قومي يابنية
فقامت فحمل النبي صلى الله عليه واله الحسن وحملت فاطمة الحسين وأخذت بيد ام الكثوم
فانتهى إلى علي عليه السلام وهو نائم فوضع النبي رجله على رجل علي فغمزه وقال : قم
ياأبا تراب ، فكم ساكن أزعجة ، ادع لي أباكبر من داره وعمر من مجلسه وطلحة .
فخرج علي عليه السلام فاستخر جهما من منزلهما ، واجتموا عندرسول الله فقال
رسول الله صلى الله عليه واله : يا علي أما علمت أن فاطمة بضعة مني وأنا منها ، فمن آذاها فقد
آذاني [ ومن آذاني فقد آذي الله ] ( 1 ) ومن آذاها بعد موتى كان كمن آذاها في
حياتي ، ومن آذاها في حياتي كان كمن آذاها بعد موتى ؟ قال : فقال علي : بلى يا
رسول الله قال : فقال : فما دعاك إلى ما صنعت ؟ فقال علي : والذي بعثك بالحق نبيا
ما كان مني مما بلغها شئ ولا حدثت بها نفسي فقال النبي صلى الله عليه واله : صدقت وصدقت .
ففرحت فاطمة عليها السلام بذلك وتبسمت حتيى رئى ثغرها فقال أحدهما
لصاحبه : إنه لعجب لحينه ما دعاه إلى ما دعانا هذه الساعة قال : ثم أخذ النبي صلى الله عليه واله
بيد علي عليه السلام فشبك أصابعه بأصابعه فحمل النبي صلى الله عليه واله الحسن وحمل الحسين
على عليه السلام وحملت فاطمة عليها السلام ام الكلثوم وأدخلهم النبي صلى الله عليه واله بيتهم ووضع
عليهم قطيفة ، واستودعهم الله ثم خرج وصلى بقية الليل .
فلما مرضت فاطمة عليها السلام مرضها الذي ماتت فيه أتياها عائدين و
استأذنا عليها فأبت أن تأذن لهما فلما رأى ذلك أبوبكر أعطى الله عهدا لا يظله سقف
*
_________________________________________________________
) * ( 1 ) زيادة جعلها في المصدر ج 2 ص 177 بين العلامتين ولم يذيل بشئ وكيف
كان فهى زيادة يستدعيها السياق كما يأتى آنفا من كلامها عليها السلام .
( * )
[203]
بيت حتى يدخل على فاطمة عليها السلام ويتراضاها .
فبات ليلة في الصقيع ما أظله
شئ ثم إن عمر أتى عليا عليه السلام فقال له : إن أبابكر شيخ رقيق القلب ، وقد كان
مع رسول الله صلى الله عليه واله في الغار فله صحبة وقد أتيناها غير هذه المرة مرارا نريد الاذن
عليها وهي تأبى أن تأذن لنا حتى ندخل عليها فنتراضى فان رأيت أن تستأذن لنا
عليها فافعل ، قال : نعم ، فدخل علي على فاطمة عليهما السلام فقال : يا بنت رسول الله قد
كان من هذين الرجلين ما قد رأيت وقد ترددا مرارا كثيرة ورددتهما ولم تأذني
لهما وقد سألاني أن أستأذن لهما عليك فقالت : والله لا أذن لهما ولا اكلمهما كلمة من
رأسي حتى ألقى أبي فأشكوهما إليه بما صنعاه وارتكباه مني .
قال علي عليه السلام : فاني ضمنت لهما ذلك ، قالت : إن كنت قد ضمنت لهما شيئا
فالبيت بيتك والنساء تتبع الرجال لا اخالف عليك بشئ فائذن لمن أحببت ، فخرج
علي عليه السلام فأذن لهما فلما وقع بصرهما على فاطمة عليها السلام سلما عليها فلم ترد عليهما
وحولت وجهها عنهما فتحولا واستقبلا وجهها حتى فعلت مرارا ، وقالت : يا علي
جاف الثوب ، وقالت لنسوة حولها : حولن وجهي ، فلما حولن وجهها حولا إليها
فقال أبوبكر : يا بنت رسول الله إنما أتيناك ابتغاء مرضاتك ، واجتناب سخطك
نسألك أن تغفري لنا وتصفحي عما كان منا إليك ، قالت : لا اكلمكما من رأسي
كلمة واحدة حتى ألقى أبي وأشكو كما إليه ، وأشكو صنعكما وفعالكما وما
ارتكبتما مني .
قالا : إنا جئنا معتذرين مبتغين مرضاتك فاغفري واصفحي عنا ولا تؤاخذينا
بماكان منا ، فالتفتت إلى علي عليه السلام وقالت : إني لا اكلمهما من رأسي كلمة حتى
أسألهما عن شئ سمعاه من رسول الله صلى الله عليه واله فان صدقاني رأيت رأيي قالا : اللهم
ذلك لها وإنا لانقول إلا حقها ولا نشهد إلا صدقا .
فقالت : انشدكمابالله أتذكر ان أن رسول الله صلى الله عليه واله استخرجكما في جوف
الليل بشئ كان حدث من أمر علي ؟ فقالا : اللهم نعم ، فقالت : انشدكما بالله
[204]
هل سمعتما النبي صلى الله عليه واله يقول : فاطمة بضعة مني وأنا منها من آذاها فقد آذاني
ومن آذاني فقد آذى الله ومن آذاها بعد موتي فكان كمن آذاها في حياتي ومن
آذاها في حياتي كان كمن آذاها بعد موتي ؟ قالا : اللهم نعم قالت : الحمد لله .
ثم قالت : اللهم إني اشهدك فاشهدوا يا من حضرني أنهما قد آذياني في
حياتي وعند موتي ، والله لا اكلمكما من رأسي كلمة حتى ألقى ربي فأشكو كما إليه
بما صنعتما [ به و ] بي وارتكبتما مني ، فدعا أبوبكر بالويل والثبور وقال : ليت امي
لم تلدني ، فقال عمر : عجبا للناس كيف ولوك امورهم وأنت شيخ قد خرفت تجزع
لغضب امرأة وتفرح برضاها وما لمن أغضب امرأة ، وقاما وخرجا .
قال : فلما نعي إلى فاطمة عليها السلام نفسها أرسلت إلى ام أيمن وكانت أوثق
نسائها عندها وفي نفسها فقالت : يا ام أيمن إن نفسي نعيت إلي فادعي لي عليا
فدعته لها فلما دخل عليها قالت له : يا ابن العم اريد أن اوصيك بأشياء فاحفظها
علي فقال لها : قولي ما أحببت ، قالت له : تزوج فلانة تكون مربية لولدي من
بعدي مثلي ، واعمل نعشا رأيت الملائكة قد صورته لي فقال لها علي : أريني كيف
صورته ، فأرته ذلك كما وصفت له وكما أمرت به ، ثم قالت : فاذا أنا قضيت نحبي
فأخرجني من ساعتك أي ساعة كانت من ليل أو نهار ، ولا يحضرن من أعداء الله
وأعداء رسوله للصلاة علي ، قال علي عليه السلام : أفعل .
فلما قضت نحبها صلى الله عليها وهم في ذلك في جوف الليل أخذ علي عليه السلام
في جهازها من ساعته كما أوصته ، فلما فرغ من جهازها ، أخرج علي الجنازة
وأشعل النار في جريد النخل ، ومشى مع الجنازة بالنار ، حتى صلى عليها
ودفنها ليلا .
فلما أصبح أبوبكر وعمر عاودا عائدين لفاطمة ، فلقيا رجلا من فريش فقالا
له : من أين أقبلت ؟ قال : عزيت عليا بفاطمة ، قالا : وقد ماتت ؟ قال : نعم ، ودفنت
في جوف الليل ، فجزعا شديدا ثم أقبلا إلى علي عليه السلام فلقياه فقالا له : والله
[205]
ما تركت شيئا من غوائلنا ومسائتنا وما هذا إلا من شئ في صدرك علينا ، هل هذا
إلا كما غسلت رسول الله صلى الله عليه واله دوننا ولم تدخلنا معك ، وكما علمت ابنك أن يصبح
بأبي بكر أن : انزل عن منبر أبي .
فقال لهما علي عليه السلام : أتصدقاني إن حلفت لكما ؟ قالا : نعم ، فحلف فأدخلهما
علي المسجد قال : إن رسول الله صلى الله عليه واله لقد أوصاني وقد تقدم إلي أنه لا يطلع على
عورته أحد إلا ابن عمه ، فكنت اغسله والملائكة تقلبه والفضل بن العباس يناولني
الماء وهو مربوط العينين بالخرقة ، ولقد أردت أن أنزع القميص فصاح بي صائح
من البيت سمعت الصوت ولم أر الصورة : لا تنزع قميص رسول الله صلى الله عليه واله ولقد
سمعت الصوت يكرره علي فأدخلت يدي من بين القميص فغسلته ، ثم قدم إلي
الكفن فكفنته ، ثم نزعت القميص بعد ما كنفته .
وأما الحسن ابني فقد تعلمان ويعلم أهل المدينة أنه كان يتخطى الصفوف
حتى يأتي النبي صلى الله عليه واله وهو ساجد فيركب ظهره فيقوم النبي صلى الله عليه واله ويده على ظهر
الحسن والاخرى على ركبته حتى يتم الصلاة قالا : نعم قد علمنا ذلك .
ثم قال : تعلمان ويعلم أهل المدينة أن الحسن كان يسعى إلى النبي صلى الله عليه واله
ويركب على رقبته ويدلي الحسن رجليه على صدر النبي صلى الله عليه واله حتى يرى بريق
خلخاليه من أقصى المسجد والنبي صلى الله عليه واله يخطب ولايزال على رقبته حتى يفرغ
النبي صلى الله عليه واله من خطبته والحسن على رقبته فلما رأى الصبي على منبر أبيه غيره
شق عليه ذلك ، والله ما أمرته بذلك ولا فعله عن أمري .
وأما فاطمة فهي المرأة التي استأذنت لكما عليها ، فقد رأيتما ما كان من كلامها
لكما ، والله لقد أوصتني أن لا تحضرا جنازتها ولا الصلاة عليها ، وما كنت الذي
اخالف أمرها ووصيتها إلي فيكما فقال عمر : دع عنك هذه الهمهمة ، أنا أمضي
إلى المقابر فأنبشها حتى اصلي عليا ، فقال له علي عليه السلام : والله لو ذهبت تروم
من ذلك شيئا وعلمت أنك لا تصل إلى ذلك حتى يندر عنك الذي فيه عيناك فاني
كنت لا اعاملك إلا بالسيف قبل أن تصل إلى شئ من ذلك .
[206]
فوقع بين علي عليه السلام وعمر كلام حتى تلاحيا واستبسل ، واجتمع المهاجرون
والانصار فقالوا : والله ما نرضى بهذا أن يقال في ابن عم رسول الله وأخيه ووصيه
وكادت أن تقع فتنة ، فتفرقا .
( 1 )
بيان : الصعداء بالمد تنفس ممدود ، قوله صلى الله عليه واله : وصدقت إما تأكيد للاول
أو على بناء المجهول من المخاطب ، أو على الغيبة أي صدقت فاطمة عليها السلام لانها لم تذكر
إلا ما سمعت ، والصقيع الذي يسقط من السماء بالليل شبيه بالثلج ، ويقال
أجفيت السرج من ظهر الفرس إذا رفعته عنه ، وجافاه عنه أي أبعده ولعل المعنى :
خذ الثوب وارفعه قليلا حتى أتحول من جانب إلى جانب " والهمهمة " تنويم
المرأة الطفل بصوتها ، وندر الشئ يندر ندرا سقط وشذ ، والملاحاة المنازعة ، والمباسلة
المصاولة في الحرب والمستبسل الذي يوطن نفسه على الموت ، واستبسل أي طرح
نفسه في الحرب ، وهو يريد أن يقتل لا محالة .
32 - ع : أبي ، عن أحمد بن إدريس ، عن ابن عيسى ، عن البزنطي ، عن
عبدالرحمن بن سالم ، عن المفضل قال : قلت لابي عبدالله عليه السلام : جعلت فداك من
غسل فاطمة ؟ قال : ذاك أمير المؤمنين عليه السلام قال : فكأني استعظمت ذلك من قوله
فقال : كأنك ضقت مما أخبرتك به ؟ قلت : قد كان ذلك جعلت فداك ، قال : لا
تضيقن فانها صديقة لا يغسلها إلا صديق ، أما علمت أن مريم لم يغسلها إلا
عيسى عليه السلام .
كا : محمد بن يحيى ، عن ابن عيسى ، عن عبدالرحمن بن سالم مثله .
-بحار الانوار مجلد: 39 من ص 206 سطر 19 الى ص 214 سطر 18
33 - ب : ابن طريف ، عن ابن علوان ، عن جعفر ، عن أبيه عليهما السلام أن
عليا عليه السلام غسل امرأته فاطمة عليها السلام بنت رسول الله صلى الله عليه واله .
34 - ع : علي بن أحمد بن محمد ، عن الاسدي ، عن النخعي ، عن النوفلي
عن ابن البطائني ، عن أبيه قال : سألت أبا عبدالله عليه السلام لاي علة دفنت فاطمة
*
_________________________________________________________
) * ( 1 ) عرضنا الحديث على المصدر ج 1 ص 177 وصححنا بعض ألفاظه المصحفة .
( * )
[207]
عليها السلام بالليل ولم تدفن بالنهار ؟ قال : لانها أوصت أن لا يصلي عليها
الرجلان الاعرابيان .
( 1 )
بيان : الاعرابيان : الكافران لقوله تعالى " الاعراب أشد كفرا ونفاقا " ( 2 )
35 - ع ، لى : ابن موسى ، عن ابن زكريا القطان ، عن ابن حبيب ، عن محمد
ابن عبيدالله وعبدالله بن الصلت الجحدري قالا : حدثنا ابن عائشة ، عن عبدالله
ابن عبدالرحمن الهمداني ، عن أبيه قال : لما دفن علي بن أبي طالب عليه السلام فاطمة
عليها السلام قام على شفير القبر وذلك في جوف الليل لانه كان دفنها ليلا ثم
أنشأ يقول :
لكل اجتماع من حليلين فرقة * وكل الذي دون الممات قليل
وإن افتقادي واحدا بعد واحد * دليل على أن لا يدوم خليل
ستعرض عن ذكري وتنسى مودتي * ويحدث بعدي للخليل خليل
36 - كتاب الدلائل للطبرى : عن أحمد بن محمد الخشاب ، عن زكريا بن
يحيى ، عن ابن أبي زائدة ، عن أبيه ، عن محمد بن الحسن ، عن أبي بصير ، عن
أبي عبدالله عليه السلام قال : لما قبض رسول الله صلى الله عليه واله ما ترك إلا الثقلين : كتاب الله
وعترته : أهل بيته ، وكان قد أسر إلى فاطمة صلوات الله عليها أنها لا حقة به أول
أهل بيته لحوقا .
قالت : بينا أني بين القائمة واليقظانة بعد وفاة أبي بأيام إذ رأيت كأن أبي
قد أشرف علي فلما رأيته لم أملك نفسي أن ناديت يا أبتاه انقطع عنا خبرالسماء
فبينا أنا كذلك إذ أتتني الملائكة صفوفا يقدمها ملكان حتى أخذاني فصعدابي
إلى السماء فرفعت رأسي فإذا أنا بقصور مشيدة وبساتين وأنهار تطرد ، وقصر بعد
قصر ، وبستان بعد بستان ، وإذا قد اطلع علي من تلك القصور جواري كأنهن
اللعب فهن يتباشرن ويضحكن إلي ويقلن : مرحبا بمن خلقت الجنة وخلقنا من -
*
_________________________________________________________
) * ( 1 ) في المصدر المطبوع ج 1 ص 176 : أن لا يصلى عليها رجال .
( 2 ) براءة : 98 .
( * )
[208]
أجل أبيها .
فلم تزل الملائكة تصعد بي حتى أدخلوني إلى دار فيها قصور في كل قصر
من البيوت ما لا عين رأت وفيها من السندس والاستبرق على أسرة ( 1 ) وعليها
ألحاف من ألوان الحرير والديباج ، وآنية الذهب والفضة ، و فيها موائد عليها
من ألوان الطعام ، وفي تلك الجنان نهر مطرد أشد بياضا من اللبن وأطيب رائحة
من المسك الاذفر ، فقلت : لمن هذه الدار ؟ وما هذا النهر ؟ فقالوا : هذه الدار
الفردوس الاعلى الذي ليس بعده جنة وهي دار أبيك ومن معه من النبيين ومن
أحب الله ، قلت : فما هذا النهر ؟ قالوا : هذا الكوثر الذي وعده أن يعطيه إياه فقلت :
فأين أبي قالوا : الساعة يدخل عليك .
فبينا أنا كذلك إذ برزت لى قصور هي أشد بياضا وأنور من تلك وفرش هي
أحسن من تلك الفرش وإذا بفرش مرتفعة على أسرة وإذا أبي صلى الله عليه واله جالس على
تلك الفرس ، ومعه جماعة ، فلما رآني أخذني فضمني وقبل ما بين عيني وقال :
مرحبا بابنتي ! وأخذني وأقعدني في حجره ثم قال لي : يا حبيبتي أما ترين ما
أعد الله لك وما تقدمين عليه ؟ فأراني قصورا مشرقات فيها ألوان الطرائف والحلي
والحلل ، وقال : هذه مسكنك ومسكن زوجك وولديك ومن أحبك وأحبهما
فطيبي نفسا فانك قادمة علي إلى أيام ، قالت : فطار قلبي واشتد شوقي وانتبهت
من رقدتي مرعوبة .
قال أبوعبدالله : قال أميرالمؤمنين عليه السلام : فلما انتبهت من مرقدها صاحت بي
فأتيتها فقلت لها : ما تشتكين ؟ فخبرتني بخبر الرؤيا ثم أخذت علي عهدالله ورسوله
أنها إذا توفت لا اعلم أحدا إلا ام سلمة زوج رسول الله صلى الله عليه واله وأم أيمن وفضة
ومن الرجال ابنيها وعبدالله بن عباس وسلمان الفارسي وعمار بن ياسر والمقداد
وأبوذر وحذيفة ، وقالت : إني أحللتك من أن تراني بعد موتي فكن مع النسوة فيمن
*
_________________________________________________________
) * ( 1 ) الاسرة : جمع سرير وهو التخت ويغلب على تخت الملك ، لان من جلس عليه
من أهل الرفعة يكون مسرورا .
وألحاف جمع لحاف - على غير قياس - والمراد هنا
غطاء التخت .
( * )
[209]
يغسلني ولا تدفني إلا ليلا ولا تعلم أحدا قبري .
فلما كانت الليلة التي أراد الله أن يكرمها ويقبضها إليه أقبلت تقول : وعليكم
السلام وهي تقول لي : ياابن عم قد أتاني جبرئيل مسلما وقال لي : السلام يقرأ
عليك السلام يا حبيبة حبيب الله ، وثمرة فؤاده ، اليوم تلحقين بالرفيع الاعلى
وجنة المأوى ثم انصرف عني .
ثم سمعناها ثانية تقول : وعليكم السلام فقالت : ياابن
عم هذا والله ميكائيل وقال لي كقول صاحبه .
ثم تقول : وعليكم السلام ورأيناها قد فتحت عينيها فتحا شديدا ثم قالت :
ياابن عم هذا والله الحق وهذا عزرائيل قد نشر جناحه بالمشرق والمغرب وقد وصفه
لي أبي وهذه صفته ، فسمعناها تقول : وعليك السلام يا قابض الارواح عجل بي
ولا تعذبني ثم سمعناها تقول : إليك ربي لا إلى النار ثم غمضت عينيها ومدت
يديها ورجليها كأنها لم تكن حية قط .
37 - لى : المكتب ، عن العلوي ، عن الفزاري ، عن محمد بن الحسين الزيات
عن سليمان بن حفص المروزي ، عن ابن طريف ، عن ابن نباته قال : سئل أميرالمؤمنين
علي بن أبي طالب عليه السلام عن علة دفنه لفاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه واله ليلا فقال : إنها كانت
ساخطة على قوم كرهت حضورهم جنازتها وحرام على من يتولاهم أن يصلي على أحد من ولدها .
38 - ما : المفيد ، عن محمد بن أحمد المنصوري ، عن سلمان بن سهل ، عن
عيسى بن إسحاق القرشي ، عن حمدان بن علي الخفاف ، عن ابن حميد ، عن
الثمالي ، عن أبي جعفر الباقر ، عن أبيه عليهما السلام ، عن محمد بن عمار بن ياسر ، عن
أبيه قال : لما مرضت فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه واله - مرضتها التي توفيت فيها -
وثقلت ( 1 ) جاءها العباس بن عبدالمطلب عائدا فقيل له إنها ثقيلة وليس يدخل عليها أحد
فانصرف إلى داره وأرسل إلى علي عليه السلام فقال لرسوله : قل له : ياابن أخ عمك
يقرؤك السلام ويقول لك : لله قد فجأني من الغم بشكاة حبيبة رسول الله صلى الله عليه واله
*
_________________________________________________________
) * ( 1 ) عطف على قوله : " لما مرضت " .
( * )
[210]
وقرة عينيه وعيني فاطمة ماهدني وإني لاظنها أولنا لحوقا برسول الله صلى الله عليه واله
يختارلها ويحبوها ويزلفها لربه ، فان كان من أمرها ما لابد منه ، فأجمع - أنالك
الفداء - المهاجرين والانصار حتى يصيبوا الاجر في حضورها والصلاة عليها ، وفي
ذلك جمال للدين .
فقال علي عليه السلام لرسوله وأنا حاضر عنده : أبلغ عمي السلام وقل لا عدمت
إشفاقك وتحيتك ، وقد عرفت مشورتك ، ولرأيك فضله ، إن فاطمة بنت رسول
الله صلى الله عليه واله لم تزل مظلومة ، من حقها ممنوعة ، وعن ميراثها مدفوعة ، لم تحفظ
فيها وصية رسول الله صلى الله عليه واله ولا رعي فيها حقه ، ولا حق الله عزوجل ، وكفى بالله
حاكما ومن الظالمين منتقما ، وأنا أسألك يا عم أن تسمح لي بترك ما أشرت به فانها
وصتني بستر أمرها .
قال : فلما أتى العباس رسوله بما قال علي عليه السلام قال : يغفر الله لابن أخي
فانه لمغفور له إن رأى ابن أخي لا يطعن فيه ، إنه لم يولد لعبد المطلب مولود
أعظم بركة من علي إلا النبي صلى الله عليه واله إن عليا لم يزل أسبقهم إلى كل مكرمة
وأعلمهم بكل فضيلة ، وأشجعهم في الكريهة ، وأشدهم جهادا للاعداء في نصرة الحنيفية ،
وأول من آمن بالله ورسوله صلى الله عليه واله .
39 - ل : محمد بن عمير البغدادي ، عن أحمد بن الحسن بن عبدالكريم ، عن
عباد بن صهيب ، عن عيسى بن عبدالله العمري ، عن أبيه ، عن جده ، عن علي عليه السلام
قال : خلقت الارض لسبعة بهم يرزقون ، وبهم يمطرون ، وبهم ينصرون : أبوذر
وسلمان والمقداد وعمار ، وحذيفة ، وعبدالله بن مسعود قال علي عليه السلام : وأنا إمامهم
وهم الذين شهدوا الصلاة على فاطمة .
كش : جبرئيل بن أحمد ، عن الحسين بن خرزاد ، عن ابن فضال ، عن
ثعلبة ، عن زرارة ، عن أبي جعفر ، عن أبيه ، عن جده عليهم السلام مثله .
40 - جا ، ما : المفيد ، عن الصدوق ، عن أبيه ، عن أحمد بن إدريس ، عن