[191]
وقد ورد من كلامها عليها السلام في مرض موتها مايدل على شدة تألمها
وعظم موجدتها وفرط شكايتها ممن ظلمها ومنعها حقها أعرضت عن ذكره ، وألغيت
القول فيه ، ونكبت عن إيراده لان غرضي من هذا الكتاب نعت مناقبهم ومزاياهم
وتنبيه الغافل عن موالاتهم ، فربما تنبه ووالاهم ، ووصف ما خصهم الله به من
الفضائل التي ليست لاحد سواهم ، فأما ذكر الغير والبحث عن الشر والخير فليس
من غرض هذا الكتاب وهو موكول إلى يوم الحساب وإلى الله تصير الامور .
بيان : النقف : كسر الهامة عن الدماغ أو ضربها أشد ضرب أو برمح أو عصا .
20 - ضه : مرضت فاطمة عليها السلام مرضا شديدا ومكثت أربعين ليلة في
مرضها إلى أن توفيت صلوات الله عليها فلما نعيت إليها نفسها دعت ام أيمن وأسماء
بنت عميس ووجهت خلف علي وأحضرته ، فقالت : يا ابن عم إنه قد نعيت إلي
نفسي وإنني لا أرى مابي إلا أنني لا حق بأبي ساعة بعد ساعة ( 1 ) وأنا اوصيك
بأشياء في قلبي .
قال لها علي عليه السلام : أوصيني بما أحببت يا بنت رسول الله ! فجلس عند رأسها
وأخرج من كان في البيت ثم قالت : يا ابن عم ما عهدتني كاذبة ولا خائنة ولا خالفتك
منذ عاشرتني فقال عليه السلام : معاذ الله أعلم بالله وأبر وأتقى وأكرم وأشد خوفا
من الله [ من ] أن اوبخك بمخالفتي ( 2 ) قد عز علي مفارقتك وتفقدك ، إلا أنه أمر لابد
منه ، والله جددت علي مصيبة رسول الله صلى الله عليه واله وقد عظمت وفاتك وفقدك ، فانالله وإنا
إليه راجعون من مصيبة ما أفجعها وآلمها وأمضها وأحزنها هذه والله مصيبة لا عزاء
لها ، ورزية لا خلف لها .
*
_________________________________________________________
) * ( 1 ) الساعة أو بعد ساعة .
ظ
( 2 ) في النسخة المطبوعة : " وأشد خوفا من الله أن اوبخك " وهو ناقص قطعا .
فانه
لابد في الكلام من صلة متممة لا فعل التفضيل في قوله عليه السلام : أعلم وأبر وأتقى وأكرم وأشد
خوفا من الله .
( * )
[192]
ثم بكيا جميعا ساعة وأخذ علي رأسها وضمها إلى صدره ثم قال : أوصيني
بما شئت فانك تجدني فيها أمضي كما أمرتني به وأختار أمرك على أمري .
ثم قالت : جزاك الله عني خير الجزاء يا ابن عم رسول الله اوصيك أولا أن
تتزوج بعدي بابنة [ اختي ] ( 1 ) أمامة فانها تكون لولدي مثلي فان الرجال
لابدلهم من النساء .
قال : فمن أجل ذلك قال أميرالمؤمنين عليه السلام : أربع ليس لي إلى فراقه
سبيل ، بنت [ أبي العاس ] ( 2 ) أمامة أوصتني بها فاطمة بنت محمد صلى الله عليه واله .
ثم قالت : اوصيك يا ابن عم أن تتخذلي نعشا فقد رأيت الملائكة صوروا صورته
فقال ها : صفيه لي فوصفته فاتخذه لها فأول نعش عمل على وجه الارض ذاك
وما رأى أحد قبله ولا عمل أحد .
ثم قالت : اوصيك أن لايشهد أحد جنازتي من هؤلاء الذين ظلموني وأخذوا
حقي فانهم عدوي وعدو رسول الله صلى الله عليه واله ولا تترك أن يصلي علي أحد منهم ، ولا
من أتباعهم ، وادفني في الليل إذا هدأت العيون ونامت الابصار ثم توفيت صلوات
الله عليها وعلى أبنيها وبعلها وبنيها .
فصاحت أهل المدينة صيحة واحدة واجتمعت نساء بني هاشم في دارها ، فصرخوا
صرخة واحدة كادت المدينة أن تتزعزع من صراخهن وهن يقلن : ياسيدتاه ! يا
بنت رسول الله ! وأقبل الناس مثل عرف الفرس إلى علي عليه السلام : وهو جالس والحسن
والحسين عليهما السلام بين يديه يبكيان ، فبكى الناس لبكائهما .
وخرجت ام كلثوم وعليها برقعة وتجر ذيلها متجللة برداء عليها تسبجها
وهي تقول : يا أبتاه يارسول الله الان حقا فقدناك ، فقدا لا لقاء بعده أبدا .
واجتمع الناس فجلسوا وهم يضجون وينتظرون أن تخرج الجنازة فيصلون
عليها ، وخرج أبوذر وقال : انصرفوا فان ابنة رسول الله صلى الله عليه واله قد اخر إخراجها
في هذه العشية فقام الناس وانصرفوا .
*
_________________________________________________________
) * ( 1 ) و ( 2 ) قد عرفت فيما سبق وجه هذه الزيادة فراجع ص 182 .
( * )
[193]
فلما أن هدأت العيون ومضى شطر من الليل أخرجها علي والحسن والحسين عليهم السلام
وعمار والمقداد وعقيل والزبير وأبوذر وسلمان وبريدة ونفر من بني هاشم وخواصه
صلوا عليها ودفنوها في جوف الليل وسوى علي عليه السلام حواليها قبورا مزورة مقدار
سبعة حتى لايعرف قبرها وقال بعضهم من الخواص : قبرها سوى مع الارض مستويا
فمسح مسحا سواء مع الارض حتى لايعرف موضعه .
21 - كا : أحمد بن مهران - رحمه الله - رفعه وأحمد بن إدريس عن محمد
ابن عبدالجبار الشيباني قال : حدثني القاسم بن محمد الرازي قال : حدثني علي
ابن محمد الهرمزاني ، عن أبي عبدالله الحسين بن علي عليهما السلام قال : لما قبضت فاطمة عليها السلام
دفنها أميرالمؤمنين عليه السلام سرا وعفا على موضع قبرها ثم قام فحول وجهه إلى قبر
رسول الله صلى الله عليه واله ثم قال :
السلام عليك يارسول الله عني ! والسلام عليك عن ابنتك ، وزائرتك
والبائتة في الثرى ببقعتك ، والمختار الله لها سرعة اللحاق بك ، قل يا
رسول الله عن صفيتك صبري ، وعفا عن سيدة نساء العالمين تجلدي ، إلا
أن في التأسي لي بسنتك في فرقتك ، موضع تعز ، فلقد وسدتك في ملحودة
قبرك ، وفاضت نفسك بين نحري وصدري .
بلى ! وفي كتاب الله لي أنعم القبول ، إنا لله وإنا إليه راجعون
قد استرجعت الوديعة ، واخذت الرهينة ، واخلست الزهراء ، فما أقبح
الخضراء والغبراء يارسول الله !
أما حزني فسرمد ، وأما ليلي فمسهد ، وهم لايبرح من قلبي أو يختار الله
لي دارك التي أنت فيها مقيم ، كمد مقيح ، وهم مهيج ، سرعان ما فرق بيننا
وإلى الله أشكو .
وستنبئك ابنتك بتظافر امتك على هضمها ، فأحفها السؤال ، واستخبرها
الحال ، فكم من غليل معتلج بصدرها ، لم تجد إلى بثه سبيلا ، وستقول و
يحكم الله وهو خير الحاكمين .
[194]
والسلام عليكما سلام مودع ، لا قال ولاسئم ، فان أنصرف فلا عن ملالة
وإن اقم فلا عن سوء ظن بما وعدالله الصابرين .
واها واها والصبر أيمن وأجمل ، ولو لا غلبة المستولين ، لجعلت المقام
واللبث لزاما معكوفا ، ولاعولت إعوال الثلكى على جليل الرزية .
فبعين الله تدفن ابنتك سرا ، وتهضم حقها ، ويمنع إرثها ! ؟ ولم يتباعد
العهد ، ولم يخلق منك الذكر ، وإلى الله يا رسول الله المشتكى ، وفيك
يارسول الله أحسن العزاء ، صلى الله عليك ، وعليها السلام والرضوان .
بيان : " العفو " المحو والانمحاء " والتجلد " القوة قوله عليه السلام " إلا أن في
التأسي لي بسنتك " أي بسنة فرقتك ، والمعنى أن المصيبة بفراقك كانت أعظم
فكما صبرت على تلك مع كونها أشد فلان أصبر على هذه أولى ، والتأسي
الاقتداء بالصبر في هذه المصيبة ، كالصبر في تلك .
" وفاضت نفسه " خرجت روحه .
قوله عليه السلام : " في كتاب الله أنعم القبول " أي فيه ما يصير سببا لقبول المصائب
أنعم القبول ، واستعار عليه السلام لفظ الوديعة والرهينة لتلك النفس الكريمة لان
الارواح كالوديعة والرهن في الابدان أولان النساء كالودائع والرهائن عند
الازواج ، ويمكن أن يقرء " استرجعت " وقرائنه على بناء المعلوم والمجهول .
والتخالس : التسالب ، والسهود قلة النوم " أو يختار " أي إلى أن يختار ، و
" الكمد " بالفتح وبالتحريك الحزن الشديد ، ومرض القلب منه وهو إما خبر لقوله
هم ، أو كل منهما خبر مبتدأ محذوف و " الهضم " الظلم و " الاحفاء " المبالغة في السؤال
و " الغليل " حرارة الجوف واعتجلت الامواج : التطمت وفي نهج البلاغة وكشف
الغمة : والسلام عليكما سلام مودع .
وعكفه يعكفه : حبسه ، والاعوال : رفع الصوت بالبكاء والصياح قوله : " فبعين
الله " أي تدفن ابنتك سرا متلبسا بعلم من الله وحضوره وشهوده قوله عليه السلام : و " فيك "
أي في إطاعة أمرك .
22 - كا : محمد بن يحيى ، عن أحمد بن محمد ، عن ابن محبوب ، عن ابن رئاب
[195]
عن أبي عبيدة قال : سأل أبا عبدالله عليه السلام بعض أصحابنا عن الجعفر فقال : هو جلد
ثور مملوء علما قال له : فالجامعة ؟ قال : تلك صحيفة طولها سبعون ذراعا في عرض
الاديم مثل فخذا لفالج فيها كل ما يحتاج الناس إليه ، وليس من قضية إلا وهي
فيها حتى أرش الخدش .
قال : فمصحف فاطمة عليها السلام ؟ قال : فسكت طويلا ثم قال : إنكم لتبحثون
عما تريدون وعما لا تريدون إن فاطمة مكثت بعد رسول الله صلى الله عليه واله خمسة وسبعين
يوما وكان دخلها حزن شديد على أبيها وكان جبرئيل يأتيها فيحسن عزاءها على
أبيها ويطيب نفسها ويخبرها عن أبيها ومكانه ، ويخبرها بما يكون بعده في ذريتها
وكان علي عليه السلام يكتب ذلك فهذا مصحف فاطمة عليها السلام .
23 - كا : العدة ، عن أحمد بن محمد ، عن القاسم ، عن جده ، عن أبي بصير
عن أبي عبدالله ، عن آبائه عليهم السلام قال : قال أميرالمؤمنين عليه السلام : أن أسقاطكم إذا
لقوكم يوم القيامة ولم تسموهم يقول السقط لابيه : ألا سميتني وقد سمى رسول الله
صلى الله عليه وآله محسنا قبل أن يولد .
بيان : يحتمل أن يكون " وقد سمى " كلام السقط .
24 - كا : العدة ، عن أحمد بن محمد ، عن الحسين بن سعيد ، عن النضر ، عن
هشام بن سالم ، عن أبي عبدالله عليه السلام قال : سمعته يقول : عاشت فاطمة بعد رسول الله
صلى الله عليه وآله خمسة وسبعين يوما لم تركاشرة ولا ضاحكة تأتي قبور الشهداء في كل
جمعة مرتين : الاثنين والخميس ، فتقول عليها السلام : ههنا كان رسول الله وههنا كان المشركون .
وفي رواية أبان ، عمن أخبره ، عن أبي عبدالله عليه السلام أنها كانت تصلي هناك و
تدعو حتى ماتت عليها السلام .
كا : علي ، عن أبيه ، عن ابن أبي عمير ، عن هشام مثله .
25 - كا : حميد ، عن ا بن سماعة ، عن أحمد بن الحسن ، عن أبان ، عن محمد
ابن المفضل قال : سمعت أبا عبدالله عليه السلام يقول : جاءت فاطمة عليها السلام إلى سارية في
المسجد وهي تقول وتخاطب النبي صلى الله عليه واله :
[196]
قد كان بعد أنباء وهنبثة * لو كنت شاهدها لم يكثر الخطب
إنا فقدناك فقد الارض وابلها * واختل قومك فاشهدهم ولا تغب
بيان : قال الجزري " الهنيثة " واحدة النهابث وهي الامور الشداد المختلفة
والهنبثة : الاختلاط في القول " والشهود " الحضور و " الخطب " بالفتح الامر الذي تقع
فيه المخاطبة ، والشأن ، والحال ، و " الوابل " المطر الشديد .
26 - قل : روينا عن جماعة من أصحابنا ذكر ناهم في كتاب التعريف للمولد
الشريف إن وفاة فاطمة عليها السلام صارت يوم ثالث جمادى الاخرة .
27 - قب : أنشدت الزهراء عليها السلام بعد وفات أبيها صلى الله عليه واله :
وقد رزئنا به محضا خليقته * صافي الضرائب والاعراق والنسب
وكنت بدرا ونورا يستضاءبه * عليك تنزل من ذي العزة الكتب
وكان جبريل روح القدس زائرنا * فغاب عنا وكل الخير محتجب
فليت قبلك كان الموت صادفنا * لما مضيت وحالت دونك الحجب
إنا رزئنا بمالم يرز ذو شجن * من البرية لا عجم ولا عرب
ضاقت علي بلاد بعد ما رحبت * وسيم سبطاك خسفا فيه لي نصب
فأنت والله خير الخلق كلهم * وأصدق الناس حيث الصدق والكذب
فسوف نبكيك ما عشنا وما بقيت * منا العيون بتهمال لها سكب
عمرو بن دينار ، عن الباقر عليه السلام قال : ما رؤيت فاطمة عليها السلام ضاحكة قط منذ
قبض رسول الله صلى الله عليه واله حتى قبضت .
بيان : " الرزء " بالضم والهمزة : المصيبة بفقد الاعزة ورزئنا على صيغة
المجهول أي اصبنا واسقطت الهمزة للتخيف ( 1 ) وقوله : " محضا خليقته " مفعول
ثان لرزئنا على التجريد كقولهم : لقيت بزيد أسدا أي رزئت به بشخص محض الخليقة
لايشوبها كدروسوء و " الضريبة " الطبيعة والسجية ، و " الاعراق " جمع عرق بالكسر
وهو الاصل من كل شئ و " الشجن " " بالتحريك الهم والحزن و " العجم " بالضم و
*
_________________________________________________________
) * ( 1 ) يريد اسقاطها في قولها : " بمالم يرز " .
فان أصلها " لم يرزء " .
( * )
[197]
بالتحريك خلاف العرب ، وقال الجزري : الخسف : النقصان والهوان و " سيم " كلف
والزم وهملت عينه : فاضت .
28 - ج : فيما احتج به الحسن عليه السلام على معاوية وأصحابه أنه قال لمغيرة
ابن شعبة : أنت ضربت فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه واله حتى أدميتها وألقت ما في بطنها
استذلالا منك لرسول الله صلى الله عليه واله ومخالفة منك لامره وانتها كالحرمته ، وقد قال
رسول الله صلى الله عليه واله : أنت سيدة نساء أهل الجنة والله مصيرك إلى النار .
29 - أقول : وجدت في كتاب سليم بن قيس الهلالي برواية أبان بن أبي عياش
عنه ، عن سلمان وعبدالله بن العباس قالا : توفي رسول الله صلى الله عليه واله يوم توفي فلم يوضع
في حفرته ، حتى نكث الناس وارتدوا وأجمعوا على الخلاف ، واشتغل علي عليه السلام
برسول الله صلى الله عليه واله حتى فرغ من غسله وتكفينه وتحنيطه ووضعه في حفرته ، ثم أقبل
على تأليف القرآن وشغل عنهم بوصية رسول الله صلى الله عليه واله .
فقال عمر لابي بكر : يا هذا إن الناس أجمعين قد بايعوك ما خلا هذا
الرجل وأهل بيته فابعث إليه فبعث إليه ابن عم لعمر يقال له : قنفذ ، فقال له :
يا قنفذ انطلق إلى علي فقل له : أجب خليفة رسول الله ، فبعثا مرارا وأبي علي
عليه السلام أن يأتيهم ، فوثب عمر غضبان ونادى خالد بن الوليد وقنفذا فأمرها
أن يحملا حطبا ونارا ثم أقبل حتى انتهى إلى باب علي وفاطمة صلوات الله عليهما
وفاطمة قاعدة خلف الباب ، قد عصبت رأسها ، ونحل جسمها في وفاة رسول
الله صلى الله عليه واله .
فأقبل عمر حتى ضرب الباب ثم نادى : يا ابن أبي طالب افتح الباب ! فقالت :
فاطمة : يا عمر مالنا ولك لا تدعنا وما نحن فيه ، قال : افتحي الباب وإلا أحرقنا
عليكم ، فقالت : يا عمر أما تتقي الله عزوجل تدخل على بيتي وتهجم على داري
فأبي أن ينصرف ، ثم دعا عمر بالنار فأضرمها في الباب فأحرق الباب ثم دفعه عمر
فاستقبلته فاطمة عليها السلام وصاحت يا أبتاه يارسول الله فرفع اليسف وهو في غمدة فوجا
به جنبها فصرخت فرفع السوط فضرب به ذراعها فصاحت يا أبتاه .
[198]
فوثب علي بن أبيطالب عليه السلام فأخذ بتلابيب عمر ثم هزه فصرعه ووجأ أنفه
ورقبته ، وهم بقتله ، فذكر قول رسول الله صلى الله عليه واله وما أوصاه به من الصبر والطاعة فقال :
والذي كرم محمدا بالنبوة يا ابن صهاك لولا كتاب من الله سبق لعلمت أنك لا تدخل
بيتي ، فأرسل عمر يستغيث .
فأقبل الناس حتى دخلوا الدار فكاثروه وألقوا في عنقه حبلا فحالت بينهم
وبينه فاطمة عند باب البيت ، فضربها قنفذ الملعون بالسوط فماتت حين ماتت وإن
في عضدها كمثل الدملج من ضربته لعنه الله فألجأها إلى عضادة بيتها ودفعها فكسر
ضعلها من جنبها فألقت جنينا من بطنها فلم تزل صاحبة فراش حتى ماتت - صلى الله
عليها - من ذلك شهيدة .
وساق الحديث الطويل في الداهية العظمى والمصيبة الكبرى إلى أن قال
ابن عباس :
ثم إن فاطمة عليها السلام بلغها أن أبابكر قبض فدكا فخرجت في نساء بني هاشم
حتى دخلت على أبي بكر فقالت : يا أبابكر تريد أن تأخذ مني أرضا جعلها لي
رسول الله صلى الله عليه واله فدعا أبوبكر بدواة ليتكت به لها ، فدخل عمر فقال : يا خليفة
رسول الله لا تكتب لها حتى تقيم البينة بما تدعي فقالت فاطمة عليها السلام : علي
وام أيمن يشهدان بذلك ، فقال عمر ، لا تقبل شهادة امرأة أعجمية لا تفصح ، وأما
علي فيجر النار إلى قرصته .
فرجعت فاطمة مغتاظة فمرضت ، وكان علي يصلي في المسجد الصلوات الخمس
-بحار الانوار مجلد: 39 من ص 198 سطر 19 الى ص 206 سطر 18
فلما صلى قال له أبوبكر وعمر : كيف بنت رسول الله إلى أن ثقلت فسألا عنها وقالا
قد كان بيننا وبينها ما قدعلمت فان رأيت أن تأذن لنا لنعتذر إليها من ذنبنا ، قال :
ذاك إليكما .
فقاما فجلسا بالباب ودخل علي عليه السلام على فاطمة عليها السلام فقال لها : أيتها الحرة
فلان وفلان بالباب يريدان أن يسلما عليك فما تريدين ؟ قالت : البيت بيتك ، و
الحرة زوجتك ، افعل ما تشاء ! فقال : سدي قناعك فسدت قناعها وحولت وجهها
[199]
إلى الحائط ، فدخلا وسلما وقالا : ارضي عنا رضي الله عنك فقالت : ما دع إلى هذا ؟
فقالا : اعترفنا بالاساءة ورجونا أن تعفي عنا فقالت : إن كنتما صادقين فأخبر اني
عما أسألكما عنه ، فاني لا أسألكما عن أمر إلا وأنا عارفة بأنكما تعلمانه ، فان
صدقتما علمت أنكما صادقان في مجيئكما قالا : سلي عما بدالك .
قالت : نشدتكما بالله هل سمعتما رسول الله صلى الله عليه واله يقول : " فاطمة بضعة مني
فمن آذاها فقد آذاني " ؟ قالا : نعم فرفعت يدها إلى السماء فقالت : اللهم إنهما
قد آذياني فأنا أشكوهما إليك وإلى رسولك ، لا والله لا أرضى عنكما أبدا حتى
ألقى أبي رسول الله صلى الله عليه واله واخبره بما صنعتما فيكون هو الحاكم فيكما قال : فعند
ذلك دعا أبوبكر بالويل والثبور ، وجزع جزعا شديدا فقال عمر : تجزع يا خليفة
رسول الله من قول امرأة ؟ .
قال : فبقيت فاطمة عليها السلام بعد وفاة أبيها صلى الله عليه واله وسلم أربعين ليلة فلما اشتد بها
الامر دعت علياعليهما السلام وقالت : ياابن عم ما أراني إلا لما بي وأنا اوصيك أن
تتزوج بأمامة بنت اختي زينب تكون لولدي مثلي ، واتخذ لي نعشا فاني رأيت
الملائكة يصفونه لي ، وأن لايشهد أحد من أعداء الله جنازتي ولا دفني ولا الصلاة علي .
قال ابن عباس : فقبضت فاطمة عليها السلام من يومها فارتجت المدينة بالبكاء من الرجال
والنساء ودهش الناس كيوم قبض فيه رسول الله صلى الله عليه واله فأقبل أبوبكر وعمر يعزيان
عليا عليه السلام ويقولان له : يا أبا الحسن لا تسبقنا بالصلاة على ابنة رسول الله ، فلما كان
الليل دعا علي عليه السلام العباس والفضل والمقداد وسلمان وأباذر وعمارا فقدم العباس
فصلى عليها ودفنوها .
فلما أصبح الناس أقبل أبوبكر وعمر والناس يريدون الصلاة على فاطمة عليها السلام
فقال المقداد : قد دفنا فاطمة البارحة ، فالتفت عمر إلى أبى بكر فقال : لم أقل لك إنهم
سيفعلون قال العباس : إنها أوصت أن لا تصليا عليها فقال عمر : لا تتركون يابني هاشم
حسدكم القديم لنا أبدا إن هذه الغضائن التي في صدوركم لن تذهب ، والله لقد هممت
آن أنبشها فاصلي عليها ، فقال علي عليه السلام : والله لورمت ذاك يا ابن صهاك لا رجعت
[200]
إليك يمينك ، لئن سللت سيفي لا غمدته دون إزهاق نفسك : فانكسر عمر وسكت
وعلم أن عليا عليها السلام إذا حلف صدق .
ثم قال علي عليه السلام : يا عمر ألست الذي هم بك رسول الله صلى الله عليه واله وأرسل إلي
فجئت متقلدا سيفي ثم أقبلت نحوك لاقتلك فأنزل الله عز وجل " فلا تعجل عليهم
إنما نعد لهم عدا " ( 1 ) .
أقول : تمام الخبر مع الاخبار الاخر المشتملة على ما وقع عليها من الظلم
أوردتها في كتاب الفتن .
30 - مصباح الانوار : عن جعفر بن محمد ، عن آبائه عليهم السلام قال : ماتت فاطمة
عليها السلام ما بين المغرب والعشاء وعن عبدالله بن الحسن ، عن أبيه ، عن جده عليه السلام
أن فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه واله لما احتضرت نظرت نظرا حادا ثم قالت : السلام
على جبرئيل ، السلام على رسول الله ، اللهم مع رسولك ، اللهم في رضوانك وجوارك
ودارك دار السلام ، ثم قالت : أترون ما أرى ؟ فقيل لها ماترى ؟ قالت : هذه مواكب
أهل السموات ، وهذا جبرئيل ، وهذا رسول الله ، ويقول : يابنية أقدمي فما أمامك
خير لك .
وعن زيد بن علي عليه السلام أن فاطمة عليها السلام لما احتضرت سلمت على جبرئيل
وعلى النبي صلى الله عليه واله وسلمت على ملك الموت ، وسمعوا حس الملائكة ، ووجدوا رائحة
طيبة كأطيب ما يكون من الطيب .
وعن أبي جعفر عليه السلام قال : إن فاطمة عاشت بعد رسول الله صلى الله عليه واله ستة أشهر .
وعن أبي جعفر عليه السلام قال : مكثت فاطمة عليها السلام في مرضها خمسة عشر
يوماوتوفيت .
وعن جعفر بن محمد عليهما السلام قال : شهد دفنها سلمان الفارسي والمقداد بن
الاسود وأبوذر الغفاري وابن مسعود والعباس بن عبدالمطلب والزبير بن العوام .
وعن أبي جعفر ، عن آبائه عليهم السلام أن فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه واله عاشت بعد *
_________________________________________________________
) * ( 1 ) مريم : 85 .
( * )