[171]

يقول : فاطمة بضعة مني فمن آذاها فقد آذاني ، ومن آذاني فقد آذي الله ؟ قالا : بلى ، قالت : فوالله لقد آذيتماني ، قال : فخرجا من عندها عليها السلام وهي ساخطة عليهما .
قال محمد بن همام : وروي أنها قبضت لعشر بقين من جمادي الاخرة ، وقد كمل عمرها يوم قبضت ثمانية عشر سنة وخمسا وثمانين يوما بعد وفاة أبيها ، فغسلها أميرالمؤمنين عليه السلام ، ولم يحضرها غيره والحسن والحسين وزينب وام كلثوم وفضة جاريتها وأسماء بنت عميس ، وأخرجها إلى البقيع في الليل ، ومعه الحسن والحسين وصلى عليها ، ولم يعلم بها ، ولا حضر وفاتها ، ولاصلى عليها أحد من سائر الناس غيرهم ، ودفنها بالروضة وعمي موضع قبرها .
وأصبح البقيع ليلة دفنت وفيه أربعون قبرا جددا ، وإن المسلمين لما علموا وفاتها جاؤوا إلى البقيع ، فوجدوا فيه أربعين قبرا ، فأشكل عليهم قبرها من سائر القبور ، فضج الناس ولام بعضهم بعضا وقالوا : لم يخلف نبيكم فيكم إلا بنتا واحدة تموت وتدفن ولم تحضروا وفاتها والصلاة عليها ، ولا تعرفوا قبرها .
ثم قال ولاة الامر منهم : هاتم من نساء المسلمين من ينبش هذه القبور حتى نجدها فنصلي عليها ونزور قبرها ، فبلغ ذلك أمير المؤمنين صلوات الله عليه فخرج مغضبا قد احمرت عيناه ، ودرت أوداجه وعليه قباه الاصفر الذي كان يلبسه في كل كريهة ، وهو متوكا على سيفه ذي الفقار ، حتى ورد البقيع ، فسار إلى الناس النذير وقالوا : هذا علي بن أبي طالب قد أقبل كما ترونه يقسم بالله لئن حول من هذه القبور حجر ليضعن السيف على غابر الاخر .
فتلقاه عمرو من معه من أصحابه وقال له : مالك يا أبا الحسن والله لننبشن قبرها ولنصلين عليها ، فضرب علي عليه السلام بيده إلى جوامع ثوبه فهزه ، ثم ضرب به الارض ، وقال له : يا ابن السوداء أما حقي فقد تركته مخافة أن يرتد الناس عن دينهم ، وأما قبر فاطمة فو الذي نفس علي بيده ، لئن رمت وأصحابك شيئا من ذلك لاسقين الارض من دمائكم ، فان شئت فأعرض ياعمر .

[172]

فتلقاه أبوبكر فقال : يا أبا الحسن بحق رسول الله وبحق من فوق العرش إلا خليت عنه فإنا غير فاعلين شيئا تكرهه ، قال : فخلى عنه وتفرق الناس ، ولم يعودوا إلى ذلك .
12 - ما : ابن حمويه ، عن أبي الحسين ، عن أبي خليفة ، عن العباس بن الفضل عن محمد بن أبي رجاء ، عن إبراهيم ، عن سعد ، عن أبي إسحاق ، عن عبدالله بن علي ابن أبي رافع ، عن أبيه ، عن سلمى امرأة أبي رافع قالت : مرضت فاطمة ، فلما كان اليوم الذي ماتت فيه قالت : هيئي لي ماء ، فصببت لها ، فاغتسلت كأحسن ماكانت تغتسل ، ثم قالت : ائتيني بثياب جدد ، فلبستها ، ثم أتت البيت الذي كانت فيه فقالت : افرشي لي في وسطه ، ثم اضطجعت واستقبلت القبلة ، ووضعت يدها تحت خدها وقالت : إني مقبوضة الان فلا اكشفن فاني قد اغتسلت ، قالت : وماتت فلما جاء علي أخبرته فقال : لا تكشف ، فحلمها يغسلها عليها السلام .
بيان : لعلها عليها السلام إنما نهت عن كشف العورة والجسد للتنظيف ، ولم تنه عن الغسل 13 - لى : الدقاق ، عن الاسدي ، عن النخعي ، عن النوفلى ، : عن ابن البطائني ، عن أبيه ، عن ابن جبير ، عن ابن عباس في خبر طويل قد أثبتناه في باب ما أخبر النبي صلى الله عليه واله بظلم أهل البيت قال صلى الله عليه واله : وأما ابتني فاطمة فإنها سيدة نساء العالمين ، من الاولين والاخرين وهي بضعة مني ، وهي نور عيني ، وهي ثمرة فؤداي وهي روحي التي بين جنبي وهي الحوراء الانسية ، متى قامت في محرابها بين يدي ربها جل جلاله زهر نورها لملائكة السماء كما يزهر نور الكواكب لاهل الارض ، ويقول الله عزوجل لملائكة ، ياملائكتي انظروا إلى أمتي فاطمة سيدة إمائي قائمة بين يدي ، ترتعد فرائصها من خيفتي ، وقد أقبلت بقلبها على عبادتي ، اشهدكم أني قد أمنت شيعتها من النار .
وإني لما رأيتها ذكرت ما يصنع بها بعدي ، كأني بها وقد دخل الذل

[173]

بيتها ، وانتهكت حرمتها ، وغصبت حقها ، ومنعت إرثها ، وكسر جنبها ، وأسقطت جنينها ، وهي تنادي : يامحمداه ، فلا تجاب ، وتستغيث ، فلا تغاث ، فلا تزال بعدي محزونة ، مكروبة ، باكية ، تتذكر انقطاع الوحي عن بيتها مرة ، وتتذكر فراقي اخرى ، وتستوحش إذا جنها الليل لفقد صوتي الذي كانت تستمع إليه إذا تهجدت بالقرآن ، ثم ترى نفسها ذليلة بعد أن كانت في أيام أبيها عزيزة .
فعند ذلك يؤنسها الله تعالى ذكره بالملائكة فنادتها بما نادت به مريم بنت عمران فتقول : يا فاطمة " إن الله اصطفيك وطهرك واصطفيك على نساء العالمين " يافاطمة " اقنتي لربك واسجدي واركعي مع الراكعين " ( 1 ) ثم يبتدي بها الوجع فتمرض فيبعث الله عزوجل إليها مريم بنت عمران تمرضها وتؤنسها في علتها ، فتقول عند ذلك : يارب إني قد سئمت الحياة وتبر مت بأهل الدنيا ، فألحقني بأبي ، فيلحقها الله عزوجل بي ، فتكون أول من يحلقني من أهل بيتي ، فتقدم علي محزونة ، مكروبة ، مغمومة ، مغصوبة ، متقولة ، فأقول عند ذلك : اللهم العن من ظلمها ، وعاقب من غصبها ، وذلل من أذلها ، وخلد في نارك من ضرب جنبيها حتى ألقت ولدها ، فتقول الملائكة عند ذلك : آمين .
14 - لى : ابن المتوكل ، عن محمد العطار ، عن ابن أبي الخطاب ، عن حماد ابن عيسى ، عن الصادق ، عن أبيه عليهما السلام قال : قال جابر بن عبدالله : سمعت رسول الله صلى الله عليه واله يقول لعلي بن أبي طالب عليه السلام قبل موته بثلاث : سلام عليك يا أبا الريحانتين ، اوصيك بريحانتي من الدنيا ، فعن قليل ينهدر كناك ، والله خليفتي عليك .
فلما قبض رسول الله صلى الله عليه واله قال علي عليه السلام : هذا أحد ركني الذي قال لي رسول الله صلى الله عليه واله ، فلما ماتت فاطمة عليها السلام قال علي عليه السلام : هذا الركن الثاني الذي قال رسول الله صلى الله عليه واله .
مع : أبي ، عن سعد ، عن ابن عيسى ، عن محمد بن يونس ، عن حماد مثله .
*

_________________________________________________________
) * ( 1 ) آل عمران : 37 و 38 .
( * )

[174]

15 - أقول : وجدت في بعض الكتب خبرا في وفاتهاعليها السلام فأحببت إيراده وإن لم آخذه من أصل يعول عليه .
روى ورقة بن عبدالله الازدي قال : خرجت حاجا إلى بيت الله الحرام راجيا لثواب الله رب العالمين ، فبينما أنا أطوف وإذا أنا بجارية سمراء ، ومليحة الوجه عذبد الكلام ، وهي تنادي بفصاحة منطقها ، وهي تقول : اللهم رب الكعبة الحرام ، والحفظة الكرام ، وزمزم والمقام ، والمشاعر العظام ورب محمد خير الانام ، صلى الله عليه وآله البررة الكرام [ أسألك ] أن تحشرني مع ساداتي الطاهرين ، وأبنائهم الغر المحجلين الميامين .
ألا فاشهدوا يا جماعة الحجاج والمعتمرين أن موالي خيرة الاخيار ، وصفوة الابرار ، والذين علا قدرهم على الاقدار ، وارتفع ذكرهم في سائير الامصار المرتدين بالفخار ( 1 ) .
قال ورقة بن عبدالله : فقلت : ياجارية إني لاظنك من موالي أهل البيت عليهم السلام فقالت : أجل ، قلت لها : ومن أنت من مواليهم ؟ قالت : أنا فضة أمة فاطمة الزهراء ابنة محمد المصطفى صلى الله عليها وعلى أبيها وبعلها وبنيها .
فقلت لها : مرحبابك وأهلا وسهلا ، فلقد كنت مشتاقا إلى كلامك ومنطقك فاريد منك الساعة أن تجيبني من مسألة أسألك ، فاذا أنت فرغت من الطواف قفي لي عند سوق الطعام حتى آتيك وأنت مثابه مأجورة ، فافترقنا .
فلما فرغت من الطواف وأردت الرجوع إلى منزلي جعلت طريقي على سوق الطعام
-بحار الانوار مجلد: 39 من ص 174 سطر 19 الى ص 182 سطر 18 وإذا أنا بها جالسة في معزل عن الناس ، فأقبلت عليها واعتزلت بها وأهديت إليها هدية ولم أعتقد أنها صدقة ، ثم قلت لها : يا فضة أخبريني عن مولاتك فاطمة الزهراء عليها السلام وما الذي رأيت منها عند وفاتها بعد موت أبيها محمد صلى الله عليه واله قال ورقة : فلما سمعت كلامي تغرغرت عيناها بالدموع ثم انتحبت نادبة وقالت : ياورقة بن عبدالله هيجت علي حزنا ساكنا ، وأشجانا في فؤادي كانت *

_________________________________________________________
) * ( 1 ) اى لابسين رداء الفخر .
( * )

[175]

كامنة ، فاسمع الان ماشاهدت منها عليها السلام .
اعلم أنه لما قبض رسول الله صلى الله عليه واله افتجع له الصغير والكبير ، وكثر عليه البكاء ، وقل العزاء ، وعظم رزؤه على الاقرباء والاصحاب والاولياء والاحباب والغرباء والانساب ، ولم تلق إلا كل باك وباكية ، ونادب ونادبة ، ولم يكن في أهل الارض والاصحاب ، والاقرباء والاحباب ، أشد حزنا وأعظم بكاء وانتحابا من مولاتي فاطمة الزهراء عليها السلام ، وكان حزنها يتجدد ويزيد ، وبكاؤها يشتد .
فجلست سبعة أيام لايهدأ لها أنين ، ولايسكن منها الحنين ، كل يوم جاء كان بكاؤها أكثر من اليوم الاول ، فلما كان في اليوم الثامن أبدت ما كتمت من الحزن ، فلم تطق صبرا إذ خرجت وصرخت ، فكأنها من فم رسول الله صلى الله عليه واله تنطق ، فتبادرت النسوان ، وخرجت الولائد والولدان ، وضج الناس بالبكاء والنحيب وجاء الناس من كل مكان ، واطفئت المصابيح لكيلا تتبين صفحات النساء وخيل إلى النسوان أن رسول الله صلى الله عليه واله قد قام من قبره ، وصارت الناس في دهشة وحيرة لما قد رهقهم ، وهي عليها السلام تنادي وتندب أباه : وا أبتاه ، واصفياه ، وامحمداه ! وا أبا القاسماه ، وا ربيع الارامل واليتامى ، من للقبلة والمصلى ، ومن لابنتك الوالهة الثكلى .
ثم أقبلت تعثر في أذيالها ، وهي لا تبصر شيئا من عبرتها ، ومن تواتر دمعتها حتى دنت من قبر أبيها محمد صلى الله عليه واله فلما نظرت إلى الحجرة وقع طرفها على المأذنة فقصرت خطاها ، ودام نحيبها وبكاها ، إلى أن اغمي عليها ، فتبادرت النسوان إليها فنضحن الماء عليها وعلى صدرها وجبينها حتى أفاقت ، فلما أفاقت من غشيتها قامت وهي تقول .
رفعت قوتي ، وخانني جلدي ، وشمت بي عدوي ، والكمد قاتلي ، يا أبتاه بقيت والهة وحيدة ، وحيرانة فريدة ، فقد انخمد صوتى ، وانقطع ظهري ، وتنغص عيشي ، وتكدر دهري ، فما أجد يا أبتاه بعدك أنيسا لوحشتي ، ولا رادا لدمعتي ولا معينا لضعفي ، فقد فني بعدك محكم التنزيل ، ومهبط جبرئيل ، ومحل ميكائيل

[176]

انقلبت بعدك يا أبتاه الاسباب ، وتغلقت دوني الابواب ، فأنا للدنيا بعدك قالية وعليك ما ترددت أنفاسي باكيه ، لا ينفذ شوقي إليك ، ولا حزني عليك .
ثم نادت : يا أبتاه والباه ، ثم قالت : إن حزني عليك حزن جديد * وفؤادي والله صب عنيد كل يوم يزيد فيه شجوني * واكتيابي عليك ليس يبيد جل خطبي فبان عني عزائي * فبكائي كل وقت جديد إن قلبا عليك يألف صبرا * أو عزاء فإنه لجليد ثم نادت : يا أبتاه انقطعت بك الدنيا بأنوارها ، وزوت زهرتها وكانت ببهجتك زاهرة ، فقد اسود نهارها ، فصار يحكي حنادسها رطبها ويابسها ، ياأبتاه لازلت آسفة عليك إلى التلاق ، يا أبتاه زال غمضي منذ حق الفراق ، يا أبتاه من للارامل والمساكين ، ومن للامة إلى يوم الدين ، يا أبتاه أمسينا بعدك من المستضعفين يا أبتاه أصبحت الناس عنا معرضين ، ولقد كنا بك معظمين في الناس غير مستضعفين فأي دمعة لفراقك لا تنهمل ، وأي حزن بعدك عليك لايتصل ، وأي جفن بعدك بالنوم يكتحل ، وأنت ربيع الدين ، ونور النبيين ، فكيف للجبال لا تمور ، وللبحار بعدك لا تغور ، والارض كيف لم تتزلزل .
رميت يا أبتاه بالخطب الجليل ، ولم تكن الرزية بالقليل ، وطرقت يا أبتاه بالمصاب العظيم ، وبالفادح المهول .
بكتك يا أبتاه الاملاك ، ووقفت الافلاك ، فمنبرك بعدك مستوحش ، ومحرابك خال من مناجاتك ، وقبرك فرح بمواراتك ، والجنة مشتاقة إليك وإلى دعائك وصلاتك .
ويا أبتاه ما أعظم ظلمة مجالستك ، فوا أسفاه عليك إلى أن أقدم عاجلا عليك واثكل أبوالحسن المؤتمن أبوولديك ، الحسن والحسين ، وأخوك ووليك وحبيبك ومن ربيته صغيرا ، واخيته كبيرا ، وأحلى أحبابك وأصحابك إليك من كان منهم سابقا ومهاجرا وناصرا ، والثكل شاملنا ، والبكاء قاتلنا ، والاسى لازمنا ثم زفرت زفرة وأنت أنة كادت روحها أن تخرج ثم قالت :

[177]

قل صبري وبان عني عزائي * بعد فقدي لخاتم الانبياء عين ياعين اسكبي الدمع سحا * ويك لا تبخلي بفيض الدماء يارسول الاله ياخيرة الله * وكهف الايتام والضعفاء قد بكتك الجبال والوحش جمعا * والطير والارض بعد بكي السماء وبكاك الحجون والركن والمشغر * ياسيدي مع البطحاء وبكاك المحراب والدرس * للقرآن في الصبح معلنا والمساء وبكاك الاسلام إذصار في النا * س غريبا من سائر الغرباء لو ترى المنبر الذي كنت تعلو * ه علاه الظلام بعد الضياء ياإلهي عجل وفاتي سريعا * فلقد تنغصت الحياة يامولائي قالت : ثم رجعت إلى منزلها وأخذت بالبكاء والعويل ليلها ونهارها ، وهي لاترقأ دمعتها .
ولا تهدأ زفرتها .
واجتمع شيوخ أهل المدينة وأقبلوا إلى أميرالمؤمنين علي عليه السلام فقالوا له : يا أبا الحسن إن فاطمة عليها السلام تبكي الليل والنهار فلا أحد منا يتهنا بالنوم في الليل على فرشنا ، ولابالنهار لنا قرار على أشغالنا وطلب معايشنا ، وإنا نخبرك أن تسألها إما أن تبكي ليلا أو نهارا ، فقال عليه السلام : حبا وكرامة .
فأقبل أميرالمؤمنين عليه السلام حتى دخل على فاطمة عليها السلام وهي لا تفيق من البكاء ولا ينفع فيها العزاء فلما رأته سكنت هنيئة له ، فقال لها : يابنت رسول الله - صلى الله عليه وآله - إن شيوخ المدينة يسألوني أن أسألك إما أن تبكين أباك ليلا وإما نهارا .
فقالت : يا أبا الحسن ما أقل مكثي بينهم وما أقرب مغيبي من بين أظهر هم فوالله لا أسكت ليلا ولا نهارا أو ألحق بأبي رسول الله صلى الله عليه واله ، فقال لها علي عليه السلام : افعلي يابنت رسول الله مابدالك .
ثم إنه بنى لها بيتا في البقيع نازحا عن المدينة يسمى بيت الاحزان ، وكانت إذا أصبحت قدمت الحسن والحسين عليهما السلام أمامها ، وخرجت إلى البقيع باكية

[178]

فلا تزال بين القبور باكية ، فإذا جاء الليل أقبل أميرالمؤمنين عليه السلام إليها وساقها بين يديه إلى منزلها .
ولم تزل على ذلك إلى أن مضى لها بعد موت أبيها سبعة وعشرون يوما ، و اعتلت العلة التي توفيت فيها ، فبقيت إلى يوم الاربعين ، وقد صلى أميرالمؤمنين عليه السلام صلاة الظهر وأقبل يرد المنزل إذا استقبلته الجواري باكيات حزينات فقال لهن : ما الخبر ومالي أراكن متغيرات الوجوه والصور ؟ فقلن : يا أميرالمؤمين أدرك ابنة عمك الزهراء عليها السلام ومانظنك تدركها .
فأقبل أميرالمؤمنين عليه السلام مسرعا حتى دخل عليها ، وإذا بها ملقاه على فراشها وهو من قباطي مصروهي تقبض يمينا وتمد شمالا ، فألقى الرداء عن عاتقه والعمامة عن رأسه ، وحل أزراره ، وأقبل حتى أخذ رأسها وتركه في حجره ، و ناداها : يازهراء ! فلم تكلمه ، فناداها : يا بنت محمد المطفى ! فلم تكلمه ، فناداها : يابنت من حمل الزكاة في طرف ردائه وبذلها على الفقراء ! فلك تكلمه ، فناداها : ياابنة من صلى بالملائكة في السماء مثنى مثني ! فلم تكلمه ، فناداها : يا فاطمة كلميني فأنا بان عمك علي بن أبي طالب .
قال : ففتحت عينيها في وجهه ونظرت إليه وبكت وبكى وقال : ما الذي تجدينه فأنا ابن عمك علي بن أبيطالب .
فقالت : يا ابن العم إني أجد الموت الذي لابد منه ولا محيص عنه ، وأنا أعلم أنك بعدي لا تصبر على قلة التزويج فان أنت تزوجت امرأة اجعل لها يوما وليلة واجعل لاولادي يوما وليلة يا أبا الحسن ولا تصح في وجوههما فيصبحان يتيمين غريبين منكسرين فانهما بالامس فقدا جدهما واليوم يفقدان ، امهما ، فالويل لامة تقتلهما وتبغضهما ثم أنشأت تقول : ابكني إن بكيت يا خير هادي * واسبل الدمع فهو يوم الفراق ياقرين البتول اوصيك بالنسل * فقد أصبحا حليف اشتياق ابكني وابك لليتامى ولا تنس * قتيل العدى بطف العراق

[179]

فارقوا فاصبحوا يتامى حيارى * يحلف الله فهو يوم الفراق قالت : فقال لها علي عليه السلام : من أين لك يا بنت رسول الله هذا الخبر ، والوحي قد انقطع عنا ؟ فقالت : يا أبا الحسن رقدت الساعة فرأيت حبيبي رسول الله صلى الله عليه واله في قصر من الدر الابيض فلما رآني قال : هلمي إلي يا بنية فاني إليك مشتاق فقلت : والله إني لاشد شوقا منك إلى لقائك ، فقال : أنت الليلة عندي وهو الصادق لما وعد والموفي لما عاهد .
فاذا أنت قرأت يس فاعلم أني قد قضيت نحبي فغسلني ولا تكشف عني فاني طاهرة مطهرة وليصل علي معك من أهلي الادني فالادنى ومن رزق أجري وادفني ليلا في قبري ، بهذا أخبرني حبيبي رسول الله صلى الله عليه واله .
فقال علي : والله لقد أخذت في أمرها وغسلتها في قميصها ولم أكشفه عنها فوالله لقد كانت ميمونة طاهرة مطهرة ثم حنطتها من فضلة حنوط رسول الله صلى الله عليه واله وكفنتها وأدرجتها في أكفانها فلما هممت أن أعقد الرداء ناديت يا ام كلثوم ! يازينب ! يا سكينة ! يافضة ! يا حسن ! يا حسين ! هلموا تزو دوا من امكم فهذا الفراق واللقاء في الجنة .
فأقبل الحسن والحسين عليهما السلام وهما يناديان واحسرتا لا تنطفئ أبدا من فقد جدنا محمد المصطفى وامنا فاطمة الزهراء يا ام الحسن يا ام الحسين إذا لقيت جدنا محمد امصطفى فاقرئيه منا السلام وقولي له : إنا قد بقينا بعد يتيمين في دار الدنيا .
فقال أمير المؤمنين علي عليه السلام : إني اشهد الله أنها قد حنت وأنت ومدت يديها وضمتها إلى صدرها مليا وإذا بهاتف من السماء ينادي يا أبا الحسن ارفعها عنها فلقد أبكيا والله ملائكة السماوات فقد اشتاق الحبيب إلى المحبوب ، قال : فرفعتهما عن صدرها وجعلت أعقد الرداء وأنا انشد بهذه الابيات : فراقك أعظم الاشياء عندي * وفقدك فاطم أدهى الثكول سأبكي حسرة وأنوح شجوا * على خل مضى أسنى سبيل

[180]

ألا يا عين جودي واسعديني * فحزني دائم أبكي خليلي ثم حملها على يده وأقبل بها إلى قبر أبيها ونادى : السلام عليك يارسول الله السلام عليك يا حبيب الله ، السلام عليك يا نور الله ، السلام عليك يا صفوة الله مني السلام عليك والتحية واصلة مني إليك ولديك ، ومن ابنتك النازلة عليك بفنائك وإن الوديعة قد استردت ، والرهينة قد اخذت ، فواحزناه على الرسول ، ثم من بعده على البتول ، ولقد اسودت علي الغبراء ، وبعدت عني الخضراء ، فواحزناه ثم واأسفاه .
ثم عدل بها على الروضة فصلى عليه في أهله وأصحابه ومواليه وأحبائه وطائفة من المهاجرين والانصار ، فلما واراها وألحدها في لحدها أنشأ بهذه الابيات يقول : أرى علل الدنيا علي كثيرة * وصاحبها حتى الممات عليل لكل اجتماع من خليلين فرقة * وإن بقائي عندكم لقليل وإن افتقادي فاطما بعد أحمد * دليل على أن لا يدوم خليل 16 - قب : قبض النبي صلى الله عليه واله ولها يومئذ ثماني عشرة سنة وسبعة أشهر و عاشت بعده اثنين وسبعين يوما ويقال : خمسة وسبعين يوما وقيل : أربعة أشهر ، وقال القرباني : قد قيل أربعين يوما وهو أصح وتوفيت عليها السلام ليلة الاحد لثلاث عشرة ليلة خلت من شهر ربيع الاخر سنة إحدى عشرة من الهجرة ومشهدها بالبقيع وقالوا : إنها دفنت في بيتها وقالوا : قبرها بين قبر رسول الله صلى الله عليه واله ومنبره .
السمعاني في الرسالة ، وأبونعيم في الحلية ، وأحمد في فضائل الصحابة ، و النطنزي في الخصائص وابن مردويه في فضائل أميرالمؤمنين عليه السلام والزمخشري في الفائق ، عن جابر قال رسول الله صلى الله عليه واله لعلي قبل موته : السلام عليك أبا الريحانتين اوصيك بريحانتي من الدنيا ، فعن قليل ينهد ركناك عليك ، قال : فلما قبض رسول الله صلى الله عليه واله قال علي : هذا أحد الركنين ، فلما ماتت فاطمة قال علي : هذا هو الركن الثاني .
البخاري ومسلم والحلية ومسند أحمد بن حنبل روت عائشة أن النبي صلى الله عليه واله دعا