[121]

قال : فانطلق علي فعرض للنبي صلى الله عليه واله وهو ثقيل حصر ، فقال له النبي صلى الله عليه واله : كأن لك حاجة يا علي ؟ قال : أجل جئتك خاطبا إلى الله وإلى رسوله فاطمة بنت محمد فقال له النبي صلى الله عليه واله مرحبا كلمة ضعيفة .
فعاد إلى سعد فأخبره فقال : أنكحك ، فوالذي بعثه بالحق إنه لا خلف الان ولا كذب عنده ، اعزم عليك لتأتينه غدا ولتقولن يانبي الله متى تبين لي ؟ قال علي : هذا أشد علي من الاولى أولا أقول : يارسول الله حاجتي ؟ قال : قل كما أمرتك .
فانطلق علي فقال : يارسول الله متى تبين لي ؟ قال : الليلة إنشاء الله .
ثم دعا بلالا فقال : يا بلال إني قد زوجت ابنتي من ابن عمي وأنا احب أن يكون نم سنة امتي الطعام عند النكاح ، فائت الغنم فخذ شاة منها وأربعة أمداد فاجعل لي قصعة لعلي أجمع عليها المهاجرين والانصار فاذا فرغت منها فآذني بها فانطلق ففعل ماامر به ثم أتاه بقصعة فوضعها بين يديه .
فطعن رسول الله صلى الله عليه واله في رأسها ثم قال : أدخل علي الناس زفة زفة لاتغادر زفة إلى غيرها ، يعني إذا فرغت زفة لم تعد ثانية ، فجعل الناس يزفون كلما فرغت زفة وردت اخرى حتى فرغ الناس ، ثم عمد النبي صلى الله عليه واله إلى فضل مافيها فتفل فيه وبارك ، وقال : يا بلال احملها إلى امهاتك ، وقل لهن : كلن وأطعمن من غشيكن .
ثم إن النبي صلى الله عليه واله قام حتى دخل على النساء فقال : إني زوجت ابتني ابن عمي ، وقد علمتن منزلتها مني وإني لدافعها إليه إلا فدونكن ابنتكن .
فقام النساء فغلفنها ( 1 ) من طيبهن وحليهن وجعلن في بيتها فراشا حشوه ليف ووسادة ، وكساء خيبريا ، ومخضبا ، واتخذن ام أيمن بوابة .
ثم إن النبي صلى الله عليه واله دخل فلما رآه النساء وثبن ، وبينهن وبين النبي صلى الله عليه واله ستره ، وتخلفت أسماء بنت عميس فقال لها النبي صلى الله عليه واله كما أنت على رسلك من أنت ؟ قالت : أنا التي أحرس ابنتك إن الفتاة ليلة يبنى بها لابدلها من امرأة تكون *

_________________________________________________________
) * ( 1 ) أى ضمخنها بالطيب .
وعن ابن دريد أنها لغة عامية والصواب غللنها .

[122]

قريبة منها إن عرضت لها حاجة أوأرادت شيئا أفضت بذلك إليها قال : فاني أسأل الله أن يحرسك من بين يديك ومن خلفك وعن يمينك وعن شمالك من الشيطان الرجيم ثم صرخ بفاطمة ، فأقبلت فلما رأت عليا جالسا إلى جنب رسول الله صلى الله عليه واله حصرت وبكت فأشفق النبي صلى الله عليه واله أن يكون بكاؤها لان عليا لا مال له ، فقال لها النبي صلى الله عليه واله : ما يبكيك ؟ فوالله ما ألوتك ونفسي فقد أصبت لك خير أهلي وأيم الذي نفسي بيده لقد زوجتكه سيدا في الدنيا وإنه في الآخرة لمن الصالحين فلان منها وأمكنته من كفها .
فقال النبي صلى الله عليه واله : يا أسماء ائتيني بالمخضب ، فملاته ماء فمج النبي صلى الله عليه واله فيه ، وغسل قدميه ووجهه ، ثم دعا بفاطمة فأخذ كفا من ماء فضرب به على رأسها وكفا بين يديها ، ثم رش [ جلده و ] جلدها ، ثم التزمها فقال : اللهم إنها مني وأنا منها ، اللهم كما أذهبت عني الرجس وطهرتني فطهرها .
ثم دعا بمخضب آخرهم ثم دعا عليا عليه السلام فصنع به كما صنع بها ، ثم دعا له كما دعا لها ثم قال : قوما إلى بيتكما ، جمع الله بينكما ، وبارك في نسلكما وأصلح بالكما ، ثم قال فأغلق عليه بابه .
قال ابن عباس : فأخبرتني أسماء بنت عميس أنها رمقت رسول الله صلى الله عليه واله ، فلم يزل يدعو لهما خاصة [ و ] لايشركهما في دعائه أحدا حتى توارى في حجرته .
بيان : قوله عليه السلام : ما أنا بواحد الرجلين ، أي لست ممن يشار إليه ويعرف من بين الناس حتى يقال : إنه أحد الرجلين المعروفين ، ويحتمل أن يكون قوله : ما أنا بصاحب دنيا تفصيلا للرجلين فذكر أحدهما وأحال الآخر على الظهور أي لست بمعروف بين الناس ، أولم يمهله المخاطب لذكر الآخر ( 1 ) .
وقال الجزري : في حديث تزويج فاطمة عليها السلام أنه صنع طعاما وقال لبلال : أدخل الناس علي زفة زفة ، أي طائفة بعد طائفة ، وزمرة بعدزمرة ، سميت بذلك لزفيفها في مشيها وإقبالها بسرعة قوله : لا تغادر زفة أي لا تترك جماعة مائلا إلى غيرهم .
وتفسيره لايخلوا من بعد .
*

_________________________________________________________
) * ( 1 ) ولعله أرادمعنى قولهم : " رجل من القريتين عظيم " فافهم .
( * )

[123]

وقال في النهاية : في حديث زواج فاطمة عليها السلام : فلما رأت عليا جالسا إلى جنب النبي صلى الله عليه واله حصرت وبكت ، أي استحيت وانقطعت ، كأن الامرضاق بها كما يضيق الحبس على المحبوس .
وقال : قال النبي صلى الله عليه واله لفاطمة : ما يبكيك فما ألوتك ونفسي وقد أصبت لك خير أهلي ، أي ما قصرت في أمرك وأمري حيث اخترت لك عليا زوجا .
قوله : فلان منها ، من للتبعيض أي لان شئ منها ، والمعنى حصول بعض اللين والانقياد منها .
قوله : ثم رش جلده وجلدها ، لعله صلى الله عليه واله رش أولا عليهما ثم خص عليا عليه السلام بالرش ، والاظهر ثم رش جلدها كما سيأتي .
31 - كشف : قال الخوارزمي ، وأنبأني أبوالعلا الحافظ الهمداني يرفعه إلى الحسين بن علي عليهما السلام قال : بينا رسول الله صلى ا لله عليه واله في بيت ام سلمة إذ هبط عليه ملك له عشرون رأسا ، في كل رأس ألف لسان ، يسبح الله ويقدسه بلغة لا تشبه الاخرى وراحته أوسع من سبع سماوات وسبع أرضين ، فحسب النبي صلى الله عليه واله أنه جبرئيل فقال : ياجبرئيل لم تأتني في مثل هذه الصورة قط قال : ما أنا جبرئيل أنا صرصائيل بعثني الله إليك لتزوج النور من النور ، فقال النبي صلى الله عليه واله من ممن ؟ قال : ابنتك فاطمة من علي بن أبي طالب ، فزوج النبي صلى الله عليه واله فاطمة من علي بشهادة جبرئيل وميكائيل وصرصائيل .
قال : فنظر النبي صلى الله عليه واله فاذا بين كتفي صرصائيل : لا إله إلا الله محمد رسول الله علي بن أبي طالب مقيم الحجة ، فقال النبي صلى الله عليه واله ياصرصائيل منذكم هذا كتب بين كتفيك ؟ قال : من قبل أن يخلق الله الدنيا باثني عشر ألف سنة .
ومن كتاب المناقب : عن بلال بن حمامة قال : طلع علينا رسول الله صلى الله عليه واله ذات يوم ووجهه مشرق كدارة القمر ، فقام إليه عبدالرحمن بن عوف فقال : يا رسول الله ما هذا النور ؟ قال : بشارة أتتني من ربي في أخي وابن عمي وابنتي وأن الله زوج عليا من فاطمة ، وأمر رضوان خازن الجنان فهز شجرة طوبى

[124]

فحملت رقاعا يعني صكاكا بعدد محبي أهل بيتي ، وأنشأ من تحتها ملائكة من نور ودفع إلى كل ملك صكا ، فاذا استوت القيامة بأهلها نادت الملائكة في الخلائق فلا يبقى محب لاهل البيت إلا دفعت إليه صكا فيه فكاكه من النار ، بأخي وابن عمي وابنتي فكاك رقاب رجال ونساء من امتي من النار .
يج : عن النبي صلى الله عليه واله مثله .
قب : تاريخ بغداد بالاسناد عن بلال بن حمامة مثله ثم قال : وفي رواية أنه يكون في الصكوك براءة من العلي الجبار لشيعة علي وفاطمة من النار .
32 - كشف : ومن المناقب عن ابن عباس قال : لما أن كانت ليلة زفت فاطمة إلى علي بن أبي طالب كان النبي صلى الله عليه واله قدا مها ، وجبرئيل عن يمينها وميكائيل عن يسارها ، وسبعون ألف ملك من ورائها يسبحون الله ويقدسونه حتى طلع الفجر .
ومن المناقب عن علي عليه السلام قال : قال رسول الله صلى الله عليه واله : أتاني ملك فقال : يا محمد إن الله عزوجل يقرء عليك السلام ويقول : قد زوجت فاطمة من علي فزوجها منه ، وقد أمرت شجرة طوبى أن تحمل الدر والياقوت والمرجان ، وأن أهل السماء قد فرحوا لذلك ، وسيولد منهما ولدان سيدا شباب أهل الجنة ، وبهما يزين الجنة فابشر يا محمد فإنك خير الاولين والآخرين .
ومن المناقب عن ام سلمة وسلمان الفارسي وعلي بن أبي طالب عليه السلام وكل قالوا : إنه لما أدركت فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه واله مدرك النساء خطبها أكابر قريش من أهل الفضل والسابقة في الاسلام ، والشرف والمال ، وكان كلما ذكرها رجل من قريش لرسول الله صلى الله عليه واله أعرض عنه رسول الله صلى الله عليه واله بوجهه حتى كان الرجل منهم يظن في نفسه أن رسول الله صلى الله عليه واله ساخط عليه أوقد نزل على رسول الله صلى الله عليه واله فيه وحي من السماء ، ولقد خطبها من رسول الله صلى الله عليه واله أبوبكر فقال له رسول الله صلى الله عليه واله : أمرها إلى ربها ، وخطبها بعد أبي بكر عمر بن الخطاب فقال له

[125]

رسول الله صلى الله عليه واله كمقالته لابي بكر .
قال : وإن أبابكر وعمر كانا ذات يوم جالسين في مسجد رسول الله صلى الله عليه واله ومعهما سعدبن معاذ الانصاري ثم الاوسي فتذاكروا من فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه واله فقال أبوبكر : قد خطبها الاشراف من رسول الله صلى الله عليه واله فقال : إن أمرها إلى ربها إن شاء أن يزوجها زوجها ، وإن علي بن أبي طالب لم يخطبها من رسول الله صلى الله عليه واله ولم يذكرها له ، ولا أراه يمنعه من ذلك إلا قلة ذات اليد ، وإنه ليقع في نفسي أن الله عزوجل ورسوله صلى الله عليه واله إنما يحبسانها عليه .
قال : ثم أقبل أبوبكر على عمر بن الخطاب وعلى سعد بن معاذ فقال : هل لكما في القيام إلى علي بن أبي طالب حتى نذكر له هذا ، فإن منعه قلة ذات اليد واسيناه وأسعفناه ، فقال له سعدبن معاذ : وفقك الله يا أبابكر فما زلت موفقا ، قوموا بنا على بركة الله ويمنه .
قال سلمان الفارسي : فخرجوا من المسجد والتمسوا عليا في منزله فلم يجدوه ، وكان ينضح ببعير - كان له - الماء على نخل رجل من الانصار باجرة ، فانطلقوا نحوه ، فلما نظر إليهم علي عليه السلام قال : ماوراء كم وما الذي جئتم له ؟ فقال أبوبكر : يا أبا الحسن إنه لم يبق خصلة من خصال الخير إلا ولك فيها سابقة وفضل ، وأنت من رسول الله صلى الله عليه واله بالمكان الذي قد عرفت من القرابة ، والصحبة والسابقة وقد خطب الاشراف من قريش إلى رسول الله صلى الله عليه واله ابنته فاطمة فردهم ، وقال : إن أمرها إلى ربها إن شاء أن يزوجها زوجها ، فما يمنعك أن تذكرها لرسول الله صلى الله عليه واله وتخطبها منه ، فإني أرجو أن يكون الله عزوجل ورسوله صلى الله عليه واله إنما يحبسانها عليك .
قال : فتغرغرت عينا علي بالدموع ، وقال : يا أبابكر لقد هيجت مني ساكنا ، وأيقظتني لامر كنت عنه غافلا ، والله إن فاطمة لموضع رغبة ، وما مثلي قعد عن مثلها غير أنه يمنعني من ذلك قلة ذات اليد ، فقال أبوبكر : لا تقل هذا يا أبا الحسن فان الدنيا وما فيها عند الله تعالى ورسوله كهباء منثور .

[126]

قال : ثم إن علي بن أبي طالب عليه السلام حل عن ناضحه وأقبل يقوده إلى منزله فشه فيه ، ولبس نعله ، وأقبل إلى رسول الله صلى الله عليه واله ، فكان رسول الله صلى الله عليه واله في منزل زوجته ام سلمة ابنة أبي امية بن المغيرة المخزومي ، فدق علي عليه السلام الباب فقالت ام سلمة : من بالباب ؟ فقال لها رسول الله صلى الله عليه واله من قبل أن يقول علي : أنا علي : قومي يا ام سلمة فافتحي له الباب ، ومريه بالدخول ، فهذا رجل يحبه الله ورسوله ، ويحبهما ، فقالت ام سلمة : فداك أبي وامي ومن هذا الذي تذكر فيه هذا وأنت لم تره ؟ فقال : مه يا ام سلمة فهذا رجل ليس بالخرق ولا بالنزق هذا أخي وابن عمي وأحب الخلق إلي .
قالت ام سلمة : فقمت مبادرة أكاد أن أعثر بمرطي ، ففتحت الباب ، فاذا أنا بعلي بن أبي طالب عليه السلام ، ووالله ما دخل حين فتحت حتى علم أني قد رجعت إلى خدري ، ثم إنه دخل على رسول الله صلى الله عليه واله فقال : السلام عليك يارسول الله ورحمة الله وبركاته ، فقال له النبي صلى الله عليه واله : وعليك السلام يا أبا الحسن اجلس .
قالت ام سلمة : فجلس علي بن أبي طالب عليه السلام بين يدي رسول الله صلى الله عليه واله وجعل ينظر إلى الارض كأنه قصد الحاجة وهو يستحيي أن يبديها ، فهو مطرق إلى الارض حياء من رسول الله صلى الله عليه واله .
فقالت ام سلمة : فكأن النبي صلى الله عليه واله علم ما في نفس علي عليه السلام فقال له : يا أبا الحسن إني أرى أنك أتيت لحاجة فقل حاجتك وأبد ما في نفسك ، فكل حاجة
-بحار الانوار مجلد: 39 من ص 126 سطر 17 الى ص 134 سطر 17 لك عندي مقضيه .
قال علي عليه السلام : فقلت : فداك أبي وامي إنك لتعلم أنك أخذ تني من عمك أبي طالب ومن فاطمة بنت أسد وأنا صبي لا عقل لي ، فغذيتني بغذائك ، وأدبتنى بأدبك ، فكنت إلى أفضل من أبي طالب ومن فاطمة بنت أسد .
في البر والشفقة وإن الله تعالى هداني بك وعلى يديك ، واستنقذني مما كان عليه آبائي وأعمامي من الحيرة والشك ، وأنك والله يارسول الله ذخري وذخيرتي في الدنيا والاخرة يارسول الله فقد أحببت مع ما شدالله من عضدي بك أن يكون لي بيت وأن يكون

[127]

لي زوجة أسكن إليها ، وقد أتيتك خاطبا راغبا أخطب إليك ابنتك فاطمة ، فهل أنت مزوجي يارسول الله ؟ قالت ام سلمة : فرأيت وجه رسول الله صلى الله عليه واله يتهلل فرحا وسرورا ثم تبسم في وجه علي عليه السلام فقال : يا أبا الحسن فهل معك شئ ازوجك به ؟ فقال علي عليه السلام : فداك أبي وامي والله ما يخفى عليك من أمري شئ ، أملك سيفي ، ودرعي ، وناضحي وما أملك شيئا غير هذا ، فقال له رسول الله صلى الله عليه واله : يا علي أما سيفك فلا غنا بك عنه تجاهد به في سبيل الله وتقاتل به أعداء الله ، وناضحك تنضح به على نخلك وأهلك وتحمل عليه رحلك في سفرك ، ولكني قد زوجتك بالدرع ورضيت بها منك .
يا أبا الحسن ابشرك ؟ قال علي عليه السلام : قلت : نعم فداك أبي وامي بشرني فانك لم تزل ميمون النقيبة ، مبارك الطائر ، رشيد الامر صلى الله عليك .
فقال لي رسول الله صلى الله عليه واله : ابشريا أبا الحسن فإن الله عزوجل قد زوجكها في السماء من قبل أن ازوجك في الارض ، ولقد هبط علي في موضعي من قبل أن تأتيني ملك من السماء له وجوه شتى ، وأجنحة شتى لم أرقبله من الملائكة مثله فقال لي : السلام عليك ورحمة الله وبركاته ، ابشر محمد باجتماع الشمل وطهارة النسل ، فقلت : وماذاك أيها الملك ؟ فقال لي : يامحمد أنا سيطائيل الملك الموكل بإحدى قوائم العرش ، سألت ربي عزوجل أن يأذن لي في بشارتك ، وهذا جبرئيل عليه السلام في أثري يخبرك عن ربك عزو جل بكرامة الله عزوجل .
قال النبي صلى الله عليه واله : فما استتم كلامه حتى هبط علي جبرئيل فقال : السلام عليك ورحمة الله وبركاته ، يانبي الله ! ثم إنه وضع في يدي حريرة بيضاء من حرير الجنة وفيه سطران مكتوبان بالنور .
فقلت : حبيبي جبرئيل ما هذه الحريرة ؟ وما هذه الخطوط ؟ فقال جبرئيل : يا محمد إن الله عزوجل اطلع إلى الارض اطلاعة فاختارك من خلقه فانبعثك برسالته ، ثم اطلع إلى الارض ثانية فاختار لك منها أخا ووزيرا

[128]

وصاحبا وختنا ، فزوجه ابنتك فاطمة .
فقلت : حبيبي جبرئيل ومن هذا الرجل ؟ فقال لي : يا محمد أخوك في الدنيا وابن عمك في النسب علي بن أبي طالب وإن الله أوحى إلى الجنان أن تزخرفي ، فتزخرفت الجنان ، وإلى شجرة طوبى : احملي الحلي والحلل وتزينت الحور العين ، وأمر الله الملائكة أن تجتمع في السماء الرابعة عند البيت المعمور ، فهبط من فوقها إليها وصعد من تحتها إليها ، وأمر الله عزوجل رضوان فنصب منبر الكرامة على باب البيت المعمور ، وهو الذي خطب عليه آدم عرض الاسماء على الملائكة ، وهو منبر من نور ، فأوحى إلى ملك من ملائكة حجبه يقال له : راحيل أن يعلو ذلك المنبر ، وأن يحمده بمحامده ويمجده وبتمجيده ، وأن يثني عليه بما هو أهله ، وليس في الملائكة أحسن منطقا ولا أحلى لغة من راحيل الملك ، فعلا المنبر ، وحمد ربه ، ومجده وقدسه ، وأثنى عليه بما هو أهله ، فارتجت السماوات فرحا وسرورا .
قال جبرئيل : ثم أوحى الله إلي أن أعقد عقدة النكاح ، فاني قد زوجت أمتي فاطمة بنت حبيبي محمد عبدي علي بن أبي طالب ، فعقدت عقدة النكاح ، وأشهدت على ذلك الملائكة أجمعين ، وكتب شهادتهم في هذه الحريرة ، وقد أمرني ربي عزوجل أن أعرضها عليك ، وأن أختمها بخاتم مسك ، وأن أدفعها إلى رضوان وإن الله عزوجل لما أشهد الملائكة على تزويج علي من فاطمة أمر شجرة طوبى أن تنثر حملها من الحلي والحلل ، فنثرت مافيها ، فالتقطته الملائكة والحورالعين وإن الحور العين ليتهادينه ويفخرن به إلى يوم القيامة .
يامحمد إن الله عزوجل أمرني أن آمرك أن تزوج علينا في الارض فاطمة وتبشرهما بغلامين زكيين نجيبين طاهرين طيبين خيرين فاضلين في الدنيا والآخرة ، يا أبا الحسن فوالله ماعرج الملك من عندي حتى دققت الباب ، ألا وإني منفذ فيك أمر ربي عزوجل ، امض يا أبا الحسن أمامي فإني خارج إلى المسجد ومزوجك على رؤوس الناس ، وذاكر من فضلك ما تقربه عينك وأعين

[129]

محبيك في الدنيا والآخرة .
قال علي : فخرجت من عند رسول الله صلى الله عليه واله مسرعا وأنا لا أعقل فرحا وسرورا ، فاستقبلني أبوبكر وعمر فقالا : ماوراءك ؟ فقلت : زوجني رسول الله صلى الله عليه واله ابنته فاطمة ، وأخبرني أن الله عزوجل زوجنيها من السماء ، وهذا رسول الله صلى الله عليه واله خارج في أثري ليظهر ذلك بحضرة الناس ، ففرحا بذلك فرحا شديدا ، ورجعا معي إلى المسجد .
فماتوسطناه حتى لحق بنا رسول الله صلى الله عليه واله وإن وجهه ليتهلل سرورا وفرحا فقال : يا بلال ، فأجابه فقال : لبيك يارسول الله ، قال : أجمع إلى المهاجرين والانصار ، فجمعهم ، ثم رقى درجة من المنبر فحمد الله وأثنى عليه وقال : معاشر المسلمين إن جبرئيل أتاني أنفا فأخبرني عن ربي عزوجل أنه جمع الملائكة عند البيت المعمور وأنه أشهدهم جميعا أنه زوج أمته فاطمة ابنة رسول الله من عبده علي بن أبي طالب وأمرني أن ازوجه في الارض واشهدكم على ذلك .
ثم جلس ، وقال لعلي عليه السلام : قم يا أبا الحسن فاخطب أنت لنفسك .
قال : فقام ، فحمد الله وأثنى عليه وصلى على النبي صلى الله عليه واله وقال : الحمدلله شكرا لانعمه وأياديه ، ولا إله إلا الله شهادة تبلغه وترضيه ، وصلى الله على محمد صلاة تزلفه وتحظيه ، والنكاح مما أمر الله عزوجل به ورضيه ، ومجلسنا هذا مما قضاه الله وأذن فيه ، وقد زوجني رسول الله صلى الله عليه واله ابنته فاطمة وجعل صداقها درعي هذا وقد رضيت بذلك فاسألوه واشهدوا و .
فقال المسلمون لرسول الله صلى الله عليه واله : زوجته يارسول الله ؟ فقال : نعم ، فقالوا : بارك الله لهما وعليهما ، وجمع شملهما .
وانصرف رسول الله إلى أزواجه فأمرهن أن يدففن لفاطمة ، فضربن بالدفوف قال علي : فأقبل رسول الله صلى الله عليه واله فقال : يا أبا الحسن انطلق الان فبع درعك وائتني بثمنه حتى اهيئ لك ولا بنتي فاطمة ما يصلحكما .

[130]

قال علي : فانطلقت فبعته بأربعمائة درهم سود هجرية ، من عثمان بن عفان فلما قبضت الدراهم منه وقبض الدرع مني قال : يا أبا الحسن لست أولى بالدرع منك وأنت أولى بالدراهم مني ، فقلت : بلى ، قال : فان الدرع هدية مني إليك فأخذت الدرع والدراهم ، وأقبلت إلى رسول الله صلى الله عليه واله فطرحت الدرع والدراهم بين يديه وأخبرته بماكان من أمر عثمان ، فدعاله بخير .
وقبض رسول الله صلى الله عليه واله قبضة من الدراهم ، ودعا بأبي بكر فدفعها إليه ، وقال : ياأبابكر اشتر بهذه الدراهم لابتني ما يصلح لها في بيتها ، وبعث معه سلمان وبلالا ليعيناه على حمل مايشتريه .
قال أبوبكر : وكانت الدراهم التي أعطانيها ثلاثة وستين درهما فانطلقت واشتريت فراشا من خيش مصر محشوا بالصوف ، ونطعا من أدم ، ووسادة من أدم حشوها من ليف النخل ، وعباءة خيبرية ، وقربة للماء وكيزانا ، وجرارا ، ومطهرة للماء ، وستر صوف رقيقا ، وحلمناه جميعا حتى وضعناه بين يدي رسول الله صلى الله عليه واله فلما نظر إليه بكى وجرت دموعه ، ثم رفع رأسه إلى السماء وقال : اللهم بارك لقوم جل آنيتهم الخزف .
قال علي : ودفع رسول الله صلى الله عليه واله باقي ثمن الدرع إلى ام سلمة فقال : اتركي هذه الدراهم عندك ، ومكثت بعد ذلك شهرا لا اعاود رسول الله صلى الله عليه واله في أمر فاطمة بشئ استحياء من رسول الله صلى الله عليه واله ، غير أني كنت إذا خلوت برسول الله يقول لي : يا أبا الحسن ما أحسن زوجتك وأجملها ، ابشر يا أبا الحسن فقد زوجتك سيدة نساء العالمين .
قال علي : فلما كان بعد شهر دخل علي أخي عقيل بن أبي طالب فقال : يا أخي ما فرحت بشئ كفرحتي بتزويجك فاطمة بنت محمد صلى الله عليه واله ، يا أخي فما بالك لا تسأل رسول الله صلى الله عليه واله يدخلها عليك فنقر عينا باجتماع شملكما ، قال علي : والله يا أخي إني لاحب ذلك وما يمنعني من مسألته إلا الحياء منه فقال : أقسمت عليك إلا قمت معي .